يحجبهم من أن يدركوك على ما أنت عليه من النبوة ، ويفهموا قدرك الجليل ، ولذلك اجترءوا على أن يقولوا :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
ويمنعوا قلوبهم عن أن تفهم ما تقرؤه عليهم ، فينتفعوا به ، عقوبة منّا لهم على كفرهم ، وتدسيتهم لأنفسهم ، واجتراحهم الجرائم ، والمعاصي التي تظلم القلوب ، وتضع عليها الأغشية ، وتستر عنها فهم حقائق القرآن ، ومراميه ، وأسراره وأحكامه ، وحكمه ، ومواعظه ، وعبره ؛ أي : أنهم « 1 » لإعراضهم عن قراءتك ، وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب يمرون بك ولا يرونك ، ذكر هذا المعنى الزجّاج وغيره . ومعنى
مَسْتُوراً
؛ أي : ساترا يسترك عنهم ، قال الأخفش : أراد ساترا ، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول ، كما تقول إنك لمشئوم وميمون ، وإنما هو شائم ، ويامن وقيل : معنى مستورا ذا ستر كقولهم : سيل مفعم ؛ أي : ذو إفعام من أفعمت الإناء ؛ أي : ملأته ، وقيل : حجابا لا تراه الأعين ، فهو مستور عنها ، وقيل :
حجاب من دونه حجاب ، فهو مستور بغيره ، والمعنى حجابا محجوبا وقيل :
المراد بالحجاب المستور الطّبع والختم .
ثمّ بين السّبب في عدم فهمهم لمدارك القرآن فقال :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
؛ أي : على قلوب هؤلاء المشركين
أَكِنَّةً
؛ أي : أغطية ، وموانع كثيرة جمع كنان ، وهو الغطاء
أَنْ يَفْقَهُوهُ
؛ أي : كراهية « 2 » أن يفهموا القرآن على كنهه ، ويعرفوا أنه من عند اللّه تعالى ، فهو مفعول لأجله ، ولكنه على حذف مضاف ، هذا على رأي الكوفيين ، أو لئلّا يفقهوا القرآن ويفهموا ما فيه من الأوامر ، والنواهي ، والحكم والمعاني ، هذا على مذهب البصريين لقلة حذف ( لا ) بالنسبة إلى حذف المضاف ، وهذا تمثيل « 3 » لتجافي قلوبهم عن الحق ، ونبوّها عن قبوله ، واعتقاده كأنها في غلف وأغطية ، تحول بينها وبينه ، وتمنع من نفوذه فيها .
وَجَعَلْنا
فِي آذانِهِمْ وَقْراً
أي صمما ، وثقلا مانعا عن سماعه اللائق به ، وهذا تمثيل لمجّ أسماعهم للحقّ ونبوها عن الإصغاء إليه ، كأنّ بها صمما
هامش
( 1 ) الشوكاني .
( 2 ) روح البيان .
( 3 ) بحر العلوم .