تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
قال الشوكاني : وأقول « 1 » : إنّ هذه الآية قد دلّت على عدم جواز العمل بما ليس بعلم ، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن ، كالعمل بالعام ، وبخبر الواحد ، والعمل بالشهادة ، والاجتهاد في القبلة ، وفي جزاء الصيد ، ونحو ذلك ، فلا تخرج من عمومها ، ومن عموم
وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
إلا ما قد قام دليل على جواز العمل به فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان لعدم وجود دليل في الكتاب والسنة ، فقد رخّص فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم كما في قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم لمعاذ حين بعثه قاضيا إلى اليمن : « بم تقضي ؟ » قال : بكتاب اللّه ، قال : « فإن لم تجد » ، قال : فبسنة رسول اللّه قال : « فإن لم تجد » ، قال : أجتهد رأيي . وهو حديث صالح للاحتجاج به . وأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتاب أو السنة ، ولكنه قصّر صاحب الرأي عن البحث ، فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهي دخولا أوليا ؛ لأنه محض رأي في شرع اللّه ، وبالناس عنه غنى بكتاب اللّه سبحانه ، وبسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ولم تدع إليه حاجة على أنّ الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل إنّما هو رخصة للمجتهد ، يجوز له أن يعمل به ، ولم يدلّ دليل على أنه يجوز لغيره العمل به ، وينزله منزلة مسائل الشرع . وقد قيل : إن هذه الآية خاصّة بالعقائد ، ولا دليل على ذلك أصلا ، ثم علّل سبحانه النهي عن العمل بما ليس بعلم بقوله :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ
؛ أي : كل واحد من هذه الأعضاء الثلاثة ، فهو إشارة إلى الأعضاء المذكورة ، فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها
كانَ عَنْهُ
؛ أي : عن نفسه ، وعما فعل به صاحبه
مَسْؤُلًا
؛ أي : إنّ اللّه سبحانه سائل هذه الأعضاء عما فعل بها صاحبها يوم القيامة . ومعنى سؤال هذه الجوارح « 2 » : أنه يسأل صاحبها عما استعملها فيه ؛ لأنها
هامش
( 1 ) الشوكاني . ( 2 ) الشوكاني .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 109 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي