التفسير وأوجه القراءة
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ
فضلا عن أن تتصرّفوا فيه ، والخطاب فيه لأولياء اليتيم
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
؛ أي : إلا بالخصلة ، والطريقة التي هي أحسن الخصال ، والطرائق ، وهي حفظه واستثماره ، وإرباحه
حَتَّى
غاية لجواز التصرف على الوجه الأحسن المدلول عليه بالاستثناء
يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
؛ أي : قوّته ؛ أي :
خمس عشرة سنة ، أو ثماني عشرة سنة ، وهو مفرد جاء على وزن الجمع كآنك ، ولا نظير لهما كما في « القاموس » والمراد « 1 » ببلوغ الأشد كمال عقله ، ورشده ، بحيث يمكنه القيام بمصالح ماله ، وإلا لم ينفك عنه الحجر ، والمعنى ؛ أي : لا تقربوا مال اليتيم ، ولا تتصرفوا فيه إلا بالطريق التي هي أحسن الطرق ، وهي طريقة حفظه وتثميره ، بما يزيد به حتى يبلغ اليتيم أشده ، وتستحكم قوة عقله وشبابه ، فإذا بلغ أشده ، واستحكم عقله ، كان لكم أن تدفعوه إليه ، أو تتصرفوا فيه بإذنه ؛ لأنه إذ ذاك يمكنه القيام على ماله بما فيه المصلحة ، ولمّا نزلت هذه الآية اشتدّ ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكانوا لا يخالطون اليتامى في طعام ، ولا في غيره ، فأنزل اللّه تعالى :
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
فكانت لهم فيها رخصة ، ونظير الآية قوله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
.
وبعد أن نهى عن الزنا والقتل ، وأكل مال اليتيم . . أتبعها بثلاثة أوامر :
فقال :
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ
، أي « 2 » : أتموا بالعهد سواء جرى بينكم وبين ربكم ، أو بينكم وبين غيركم من الناس ، أي وأوفوا بما عاهدتم اللّه عليه من التزام ما كلفكم به ، وما عاهدتم الناس عليه من العقود التي تتعاملون بها في البيوع ، والإجارة ، ونحوها ، قال الزجاج : كل ما أمر اللّه به ونهى عنه فهو من العهد ، ويدخل في ذلك ما بين العبد وربّه ، وما بين العباد بعضهم مع بعض ، والوفاء به :
القيام بحفظه على الوجه الشرعيّ ، والقانون المرضيّ
إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
هامش
( 1 ) الخازن .
( 2 ) المراغي .