فالمراد بالغفلة عدم التدبر ، وهذا مؤاخذ به ، فسقط ما يقال : الغفلة لا مؤاخذة بها .
والخلاصة : أنّهم كانوا يظهرون الإيمان عند كل آية من آيات العذاب ، ثم يكذبون ، حتى إذا انقضى الأجل المضروب لهم ، انتقمنا منهم بسبب أنّهم كذبوا بها كلها ، وكانوا غافلين عما يعقبها من العذاب في الدنيا والآخرة ، إذ كانت في نظر الكثير منهم من قبيل السحر والصناعة ، ومن ثم كانوا يكابرون أنفسهم في كل آية منها ، ويحاولون أن يأتي سحرتهم وعلماؤهم بمثلها .
ومنهم من اهتدى إلى الحق وظهر له صدقه ، فآمن به جهرة ككبار السحرة ، ومنهم من كتم إيمانه كالذي عارض فرعون وملأه بالحجة والبرهان ، في قتل موسى كما سيأتي في سورة غافر ، ومنهم من جحد بها كبرا وعلوا في الأرض ، كفرعون وأكابر وزرائه ورؤسائه .
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ
؛ أي : يغلبون ويذلون ويمتهنون بقتل أبنائهم ، واستبقاء نسائهم ، وضرب الجزية عليهم ، واستعمالهم في الأعمال الشاقة لفرعون وقومه ، وهم بنو إسرائيل
مَشارِقَ الْأَرْضِ
التي كانت للعمالقة أولا ، التي باركنا فيها بكثرة الأشجار والثمار والأنهار فيها ، وهي الشام
وَمَغارِبَهَا
التي كانت للفراعنة أولا
الَّتِي بارَكْنا فِيها
بالخصب وسعة الأرزاق ، وبالنيل وهي مصر ؛ أي : ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا فيها
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى
؛ أي : نفذت كلمة اللّه وقضاؤه ، ومضت على بني إسرائيل تامة كاملة ، وأنجز لهم وعده الحسن الذي وعدهم بالنصر لهم على أعدائهم حيث قال :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
فالمراد بالكلمة : وعدهم بالنصر على عدوهم والتمكين في الأرض من بعدهم ، وتمامها : إنجاز ما وعدهم به من تمكينهم في الأرض وإهلاك عدوهم ، وقوله :
كَلِمَتُ رَبِّكَ
يرسم لفظ كلمت هنا بالتاء المبسوطة ، وما عداها في القرآن يرسم بالهاء المربوطة على الأصل ، ذكره في « الفتوحات » والحسنى صفة لكلمة ، وهي تأنيث الأحسن
بِما صَبَرُوا
؛ أي :