تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
وانقلاب خشبة لحما ودما قائما به الحياة من أعظم الإعجاز ، ويحصل من انقلابها ثعبانا من التهويل ما لا يحصل في غيره ، وضربه بها الحجر فينفجر عيونا ، وضربه بها الأرض فتنبت ، قاله ابن عباس ، ومحاربته بها اللصوص والسباع القاصدة غنمه ، واشتعالها في الليل كاشتعال الشمعة ، وصيرورتها كالرشا لينزح بها الماء من البئر العميقة ، وتلقفها الحبال والعصي التي للسحرة ، وإبطالها لما صنعوه من كيدهم وسحرهم .
وَنَزَعَ يَدَهُ
؛ أي : نزع موسى يده اليمنى ، وجذبها وأخرجها وأظهرها من جيب قميصه بعد أن وضعها فيه - بعد إلقاء العصا - أو من تحت إبطه ، وفي التنزيل
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
،
فَإِذا هِيَ
؛ أي : يده التي أخرجها
بَيْضاءُ
بياضا نورانيا ، تتلألأ نورا غلب شعاعه شعاع الشمس يظهر
لِلنَّاظِرِينَ
إليها ؛ أي : لكل من ينظر إليها . ثم حكى اللّه سبحانه وتعالى ما قاله قومه ، بعد أن رأوا من موسى ما رأوا فقال :
قالَ الْمَلَأُ
؛ أي : الأشراف
مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ
وهم أهل مشورته ورؤساء دولته
إِنَّ هذا
الرجل ، يعنون موسى
لَساحِرٌ عَلِيمٌ
؛ أي : حاذق في علم السحر ، كثير في فهمه ومعرفته وفائق فيه ، يعنون أنّه ليأخذ بأعين الناس ، حتى يخيل لهم أنّ العصا صارت حية ، ويرى الشيء بخلاف ما عليه ، كما أراهم يده بيضاء وهو آدم اللون ، وإنّما قالوا ذلك لأنّ السحر كان هو الغالب في ذلك الزمان ، فلما أتى بما يعجز عنه غيره . . قالوا :
إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
. فإن قلت « 1 » : قد أخبر اللّه تعالى في هذه السورة أنّ هذا الكلام من قول الملأ لفرعون ، وقال في سورة الشعراء :
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
فكيف الجمع بين الآيتين ؟ قلت : لا يمتنع أن يكون قاله فرعون أولا ، ثم إنّهم قالوه بعده ، فأخبر اللّه تعالى عنهم هنا ، وأخبر عن فرعون في سورة الشعراء . وقيل : يحتمل أنّ فرعون
هامش
( 1 ) الخازن .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 51 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي