هذا حين كانوا يعملون بهديه ، فلما أعرضوا عنه ، ونأوا بجانبهم ، عاقبهم اللّه بما جرت به سننه في الأرض ، فأضاعوا ملكهم ، وسلط عليهم أعداءهم ، فليعتبر المسلمون بما حل بهم ، وليرجعوا إلى تاريخ أسلافهم ، وليستضيئوا بنورهم ، وليتوبوا إلى رشدهم ، لعله يعيد إليهم تراثهم الغابر ، وعزهم الماضي
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
باللّه ورسوله
لا تَخُونُوا اللَّهَ
سبحانه وتعالى « 1 » فتعطلوا فرائضه ، أو تتعدوا حدوده ، وتنتهكوا محارمه التي بينها لكم في كتابه ،
وَ
لا تخونوا
الرَّسُولَ
محمدا صلى اللّه عليه وسلّم فترغبوا عن بيانه لكتابه إلى بيانه بأهوائكم ، أو آراء مشايخكم ، أو آبائكم ، أو أوامر أمرائكم ، أو ترك سنته إلى سنة آبائكم وزعمائكم زعما منكم أنهم أعلم بمراد اللّه ورسوله منكم ،
وَ
لا
تَخُونُوا أَماناتِكُمْ
فيما بين بعضكم وبعض آخر منكم من المعاملات المالية ، وغيرها حتى الشؤون الأدبية ، والاجتماعية ، فإفشاء السر خيانة محرمة ، ويكفي في العلم بكونه سرا قرينة قولية كقول محدثك : هل يسمعنا أحد ، أو فعلية كالالتفات لرؤية من عساه يجيء ، وآكد الأمانات السر وأحقها بالحفظ ما يكون بين الزوجين ، كذلك لا تخونوا أماناتكم فيما بينكم وبين أولي الأمر من شؤون سياسية أو حربية ، فتطلعوا عليها عدوكم ، وينتفع بها في الكيد لكم ، وقرأ مجاهد أمانتكم بالإفراد ، والمراد الجمع .
والخيانة من صفات المنافقين ، والأمانة من صفات المؤمنين ، قال أنس بن مالك : قلما خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلا قال : « لا إيمان لمن لا عهد له » رواه الإمام أحمد .
وروى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم » .
هامش
( 1 ) المراغي .