إلى الصالح والطالح فقال :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
؛ أي : اتقوا وقوع الفتن التي لا تختص إصابتها بمن يباشرها وحده بل تعمه وغيره ، كالفتن القومية التي تقع بين الأمم في التنازع على المصالح العامة من الملك والسيادة ، أو التفرق في الدين والشريعة ، والانقسام إلى الأحزاب الدينية ، والأحزاب السياسية ، ونحو ذلك من ظهور البدع ، والتكاسل في الجهاد ، وإقرار المنكر الذي يقع بين أظهرهم ، والمداهنة في الأمر بالمعروف ، ونحو ذلك من الذنوب التي جرت سنة اللّه تعالى أن تعاقب عليها الأمم في الدنيا قبل الآخرة ، وروي عن ابن عباس قال : أمر اللّه المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم اللّه بالعذاب . وقال عدي بن عميرة : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن اللّه لا يعذب العامة بعمل الخاصة ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك . . عذب اللّه الخاصة والعامة » وقال البيضاوي :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً
؛ أي : اتقوا ذنبا يعمكم أثره ، كإقرار المنكر بين أظهركم ، والمداهنة في الأمر بالمعروف ، وافتراق الكلمة ، وظهور البدع ، والتكاسل في الجهاد انتهى .
وروى البخاري والترمذي « أن الناس إذا رأوا الظالم ، ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم اللّه بعذاب من عنده » وفي مسلم من حديث زينب بنت جحش ، سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « أنهلك وفينا الصالحون ، قال : نعم إذا كثر الخبث » .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « ستكون فتن ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرف لها تستشرفه ، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به » متفق عليه .
فإن قلت « 1 » : ظاهر قوله تعالى :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
يشمل الظالم وغير الظالم ، كما تقدم تفسيره ، فكيف يليق برحمة اللّه وكرمه أن يوصل الفتنة إلى من لم يذنب ؟
هامش
( 1 ) الخازن .