تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
أي : واذكروا يا معشر المهاجرين
إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ
في العدد في أول الإسلام
مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ
؛ أي : مقهورون في أرض مكة
تَخافُونَ
من مبدأ الإسلام إلى حين الهجرة إذا خرجتم من البلد
أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
؛ أي : أن يأخذكم مشركو العرب من قريش وغيرها ، بسرعة لشدة عداوتهم لكم ، ولقربهم منكم ، والمراد أن ينتزعوكم بسرعة ، فيفتكوا بكم كما كان يتخطف بعضهم بعضا في خارج الحرم ، وتتخطفهم الأمم من أطراف جزيرتهم ، كما قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
فَآواكُمْ
وضمكم أيها المهاجرون إلى الأنصار ونقلكم إلى المدينة فصرتم آمنين من كفار مكة ،
وَأَيَّدَكُمْ
وإياهم ؛ أي : قواكم
بِنَصْرِهِ
سبحانه وتعالى إياكم في بدر ، وفي سائر غزواتكم ، ويؤيدكم على من سواكم من فارس والروم ، وغيرهما كما وعدكم بذلك في كتابه الكريم ،
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
؛ أي : من الغنائم وغيرها ، وكانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
هذه النعم العظيمة ؛ أي : رجاء أن تشكروا هذه النعم وغيرها مما يؤتيكم من فضله كما وعد في كتابه
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
. وقد أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ
الآية . قال كان هذا الحي أذل الناس ذلا ، وأشقاه عبثا ، وأجوعه بطونا ، وأعراه جلودا وأبينه ضلالة معكوفين على رأس حجر بين فارس والروم ، لا واللّه ما في بلادهم ما يحسدون عليه من عاش منهم عاش شقيا ، ومن مات منهم ردي في النار يؤكلون ولا يأكلون ، لا واللّه ما نعلم قبيلا من حاضر الأرض يومئذ كان أشر منهم منزلا حتى جاء اللّه بالإسلام ، فمكن به في البلاد ، ووسع به في الرزق ، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس ، وبالإسلام أعطى اللّه ما رأيتم ، فاشكروا للّه نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشكر ، وأهل الشكر في مزيد من نعم اللّه عزّ وجل . وفي الآية من العبرة التي يجب على المؤمنين أن يتذكروها أنه أورث من اهتدى بهديه سعادة الدنيا وبسطة السلطان ، ومكن لأهله في الأرض ، وأنالهم ما لم يكونوا يرجونه لولا هدى الدين ، وأورثهم في الآخرة فوزا ورضوانا من ربهم وروحا ، وريحانا ، وجنة نعيم .