تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
مع أنه رماهم يوم بدر بالحصى في وجوهم ، قلت : نفى الفعل عنهم وعنه باعتبار الإيجاد إذ الموجد له حقيقة هو اللّه تعالى ، وإثباته لهم باعتبار الكسب والصورة فقوله :
إِذْ رَمَيْتَ
؛ أي : أتيت بصورة الرمي ، وقرأ « 1 » حمزة ، والكسائي ، وابن عامر :
وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
،
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
بتخفيف نون
لكِنَّ
، ورفع الجلالة ، والباقون بالتشديد ونصب الجلالة ، وجاءت هنا لكن أحسن مجيء لوقوعها بين نفي وإثبات ، ولم يقل : فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم كما قال :
إِذْ رَمَيْتَ
مبالغة في الجملة الثانية اه من « السمين » .

فصل

والفرق « 2 » بين قتل المسلمين للكفار ، وبين رمي النبي صلى اللّه عليه وسلّم إياهم بالتراب : أن الأول فعل من أفعالهم المقدورة لهم ، بحسب سنن اللّه في الأسباب الدنيوية ، وأن الثاني لم يكن سببا عاديا لإصابتهم ، وهزيمتهم لا مشاهدا كضرب أصحابه ، لأعناق المشركين ، ولا غير مشاهد ، إذ هو لا يكون سببا لشكاية أعينهم ، وشوهة وجوههم لقلته ، وبعده عن راميه وكونهم غير مستقبلين له ، كلهم ، ومن ثم كانت الحاجة ماسة إلى بيان نقص الأول ، وعدم استقلاله بالسببية ، وبيان أنه لولا تأييد اللّه ونصره لما وصل كسبهم المحض إلى هذا الفشل ؛ لأنك قد علمت ما كان من خوفهم ، وكراهتهم للقتال ، وبمجادلة النبي صلى اللّه عليه وسلّم فهم لو ظلوا على هذه الحال مع قلتهم وضعفهم ، لكان مقتضى الأسباب العادية أن يمحقهم المشركون محقا . والفرق بين فعله تعالى في القتل ، وفعله في الرمي : أن الأول عبارة عن تسخيره تعالى لهم أسباب القتل ، كما هو الحال في جميع كسب البشر وأعمالهم الاختيارية من كونها لا تستقل في حصول غاياتها إلا بفعل اللّه ، وتسخيره لهم للأسباب التي لا يصل إليه كسبهم عادة كما بين ذلك سبحانه بقوله :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
64 فالإنسان يحرث الأرض ويلقي فيها البذر ، ولكنه لا يملك إنزال المطر ، ولا إنبات الحب وتغذيته بمختلف عناصر
هامش
( 1 ) الفتوحات . ( 2 ) المراغي .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 375 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي