وروي عن ابن عباس قال : من فر من ثلاثة . . فلم يفر ، ومن اثنين . . فقد فر .
و ( الفاء ) : في قوله :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
فاء الفصيحة ؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر ، تقديره : إذا عرفتم « 1 » ما قصه اللّه عليكم من إمداده لكم بالملائكة ، وإيقاع الرعب في قلوبهم . . فأقول لكم : لم تقتلوا أنتم أيها المؤمنون الكفار في الحقيقة ، ولكن اللّه سبحانه وتعالى قتلهم بما يسره لكم من الأسباب الموجبة للنصر ، من إلقاء الرعب في قلوبهم ، وإمداد الملائكة لكم ؛ أي : إن افتخرتم بقتلكم ، فأنتم لم تقتلوهم ، ولكن اللّه قتلهم ؛ لأنه هو الذي أنزل الملائكة ، وألقى الرعب في قلوبهم ، وشاء النصر والظفر وقوى قلوبكم ، وأذهب عنها الفزع والجذع ، ذكره أبو حيان .
والمعنى : يا أيها « 2 » الذين آمنوا لا تولوا الكفار ظهوركم أبدا ، فأنتم أولى منهم بالثبات والصبر ، ثم بنصر اللّه تعالى ، انظروا إلى ما أوتيتم من نصركم عليهم على قلة عددكم ، وكثرتهم واستعدادهم ، ولم يكن ذلك إلا بتأييد من اللّه تعالى لكم ، وربطه على قلوبكم ، وتثبيت أقدامكم ، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذي أفنى كثيرا منهم بقوتكم وعدتكم ، ولكن اللّه قتلهم بأيديكم بما كان من تثبيت قلوبكم ، بمخالطة الملائكة ، وملابستها لأرواحكم وبإلقائه الرعب في قلوبهم ، وهذا بعينه هو ما جاء في قوله تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
14 ، والمؤمن أحرى بالصبر الذي هو من أجل عوامل النصر من الكافر ، إذ هو أقل حرصا على متاع الدنيا ، وأعظم رجاء للّه والدار الآخرة ، يؤيد هذا قوله تعالى :
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ
.
ثم انتقل من خطاب المؤمنين الذين قتلوا أولئك الصناديد بسيوفهم ، إلى خطاب الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وهو قائدهم الأعظم فقال :
وَما رَمَيْتَ
يا محمد أحدا
هامش
( 1 ) الشوكاني .
( 2 ) المراغي .