تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
من المشركين
إِذْ رَمَيْتَ
؛ أي : في الوقت الذي رميت فيه القبضة من التراب بإلقائها في الهواء ، فأصابت وجوههم ، فإن ما فعلته لا يكون له من التأثير مثل ما حدث
وَلكِنَّ اللَّهَ
سبحانه وتعالى
رَمى
وجوههم كلهم بذلك التراب ، الذي ألقيته في الهواء على قلته أو بعد تكثيره بمحض قدرته . فقد روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم رمى المشركين يومئذ بقبضة من التراب وقال : « شاهت الوجوه » ثلاثا ، فأعقبت رميته هزيمتهم ، ومعنى « 1 » شاهت الوجوه ، قبحت يقال : شاه وجهه يشوه شوها وشوهة ، ويقال : رجل أشوه وامرأة شوهاء إذا كانا قبيحين . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لما قال في استغاثته يوم بدر : « يا رب إن تهلك هذه العصابة ، فلن تعبد في الأرض أبدا » قال له جبريل : خذ قبضة من التراب فارم بها وجوههم ، ففعل ، فما من أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين . وقال ثعلب « 2 » : المعنى
وَما رَمَيْتَ
الفزع والرعب في قلوبهم ،
إِذْ رَمَيْتَ
بالحصباء فانهزموا
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
؛ أي : أعانك وأظفرك ، والعرب تقول : رمى اللّه لك ، أي أعانك وأظفرك وصنع لك ، وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب « المجاز » وقال محمد بن يزيد المبرد : المعنى
وَما رَمَيْتَ
بقوتك
إِذْ رَمَيْتَ
ولكنك بقوة اللّه رميت ، وقيل : المعنى إن تلك الرمية بالقبضة من التراب التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة ، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر ، ولكنها كانت رمية اللّه حيث أثرت ذلك الأثر العظيم ، فأثبت الرمية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، لأن صورتها وجدت منه ، ونفاها عنه ، لأنّ أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل اللّه عزّ وجل ، فكأن اللّه فاعل الرمية على الحقيقة ، وكأنها لم توجد من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أصلا ، هكذا في « الكشاف » فإن قلت : كيف نفى عن المؤمنين قتل الكفار مع أنهم قتلوهم يوم بدر ، ونفى عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم رميهم
هامش
( 1 ) زاد المسير . ( 2 ) الشوكاني .