تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
كانت عقيب ذلك الخروج الأول ، وقيل : المعنى الأنفال ثابتة للّه ثبوتا بالحق والوحي ، كثبوت إخراجك من بيتك بالمدينة بالحق والوحي ، والحال : إنّ فريقا وطائفة من المؤمنين لكارهون ذلك الخروج . وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام - وفيها تجارة عظيمة ومعه أربعون راكبا ، منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام - فأخبر جبريل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فأخبر المسلمين ، فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم ، فلما خرجوا وبلغوا وادي دقران - بوزن سلمان وهو قريب من الصفراء - نزل عليه صلى اللّه عليه وسلّم جبريل فقال : يا محمد ، إن اللّه وعدكم إحدى الطائفتين ، إما العير وإما قريشا ، فاستشار النبي أصحابه فقال : « ما تقولون ؟ إنّ القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول ، فالعير أحب إليكم أم النفير ؟ » - وهو اسم عسكر مجتمع - فقالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو ، فتغير وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم ردد عليهم فقال : « إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل ؛ أي : بجمع أهل مكة ، ومضى إلى بدر » فقالوا : يا رسول اللّه عليك بالعير ودع العدو ، فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فقام عند ذلك أبو بكر وعمر ، فأحسنا في القول ، ثم قال سعد بن عبادة فقال : انظر أمرك فامض ، فو اللّه لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار ، ثم قال مقداد بن عمرو : يا رسول اللّه ، امض كما أمرك ربك ، فإنا معك حيثما أحببت ، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى :
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف ، فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ثم قال : « أشيروا علي أيها الناس » فقال سعد بن معاذ : امض يا رسول اللّه لما أردت ، فو اللّه الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا ، وإنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، ولعل اللّه يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة اللّه ، ففرح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وبسطه قول سعد ، ثم قال صلى اللّه عليه وسلّم : « سيروا على بركة اللّه وأبشروا ، فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، واللّه لكأني الآن انظر إلى مصارع القوم » . وحاصل المعنى : أنّ الأنفال للّه يحكم فيها بالحق ، ولرسوله يقسمها بين من