تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
جعل اللّه لهم الحق فيها بالسوية ، وإن كره ذلك بعض المتنازعين فيها ممن كانوا يرون أنّهم أحق بها ، كما يكرهون إخراج ربك إياك من بيتك بالحق للقاء إحدى الطائفتين من المشركين ، وقد كان كثير من المؤمنين كارهين لذلك ، لعدم استعدادهم للقتال ، ولقلة عددهم ، وقلة سلاحهم ، وكثرة عدوهم وسلاحهم ،
يُجادِلُونَكَ
؛ أي : يجادلك يا محمد المؤمنون وينازعونك
فِي الْحَقِّ
؛ أي : في القتال وتلقي النفير لإيثارهم عليه تلقي العير كراهية للقاء المشركين ، وإنكارا لمسير قريش حين ذكروا لهم
بَعْدَ ما تَبَيَّنَ
؛ أي : بعد أن ظهر لهم الحق الذي هو القتال بإخبارك أنّهم سينصرون أينما توجهوا ، وبعد ما أمرت به ، ويقولون : ما كان خروجنا إلا للعير ، وهلا قلت لنا وأخبرته أولا لنستعد ونتأهب له ، وما كان هذا إلا لكراهتهم للقتال ، إذ أنّهم كانوا في حال ضعف ، فكان من حكمة اللّه أو وعدهم أولا إحدى طائفتي قريش تكون لهم على طريق الإبهام لا على طريق التعيين ، فتعلقت آمالهم بطائفة العير القادمة من الشام ؛ لأنّها كسب عظيم لا مشقة في إحرازه لضعف الحامية ، فلما ظهر لهم أنّها فاتتهم ونجت - إذ ذهبت من طريق سيف البحر ، طريق الشاطئ - وأن طائفة النفير خرجت من مكة بكل ما لدى قريش من قوة ، وأنّها قد قربت منهم ، ووجب عليهم قتالها ، إذ تبين أنّها هي الطائفة التي وعدهم اللّه تعالى بالنصر عليها . . صعب على بعضهم لقاؤها على قلتهم وكثرتها ، وضعفهم وقوتها ، وعدم استعدادهم للقتال كاستعدادها ، وطفقوا يعتذرون إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم بأنّهم لم يخرجوا إلا للعير ؛ لأنّه لم يذكر لهم قتالا فيستعدوا له . ولكن الحق تبين بحيث لم يبق للجدل فيه وجه . . فلا ينبغي أن يقال : إنّ طائفة العير هي مراد اللّه ؛ لأنّها نجت ، ولا بأن يقال : إننا لم نعد للقتال عدته ؛ لأنّه مهما تكن حالها فلا بد من الظفر بها لوعد اللّه به ، فإذا لا وجه للجدل إلا الجبن والخوف من القتال ، وقرأ عبد اللّه بعد ما بين بضم الباء من غير تاء ، وفي قوله :
بَعْدَ ما تَبَيَّنَ
إنكار عظيم عليهم ؛ لأن من جادل في شيء لم يتضح . . كان أخف عتبا ، أما من نازع في أمر واضح . . فهو جدير باللوم والإنكار .