تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وحاصل معنى الآية : أي والذين يستمسكون بأوامر الكتاب ، ويعتصمون بحبله في جميع شؤونهم ، ويقيمون الصلاة التي هي عماد الدين وركن منه متين ، كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، لا نضيع أجرهم ؛ لأنّهم قد أصلحوا أعمالهم ، واللّه لا يضيع أجر المصلحين ، وهي بمعنى قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
30 . ثم ختم سبحانه هذه القصة مذكرا ببدء حالهم في إنزال الكتاب عليهم ، عقب بيان مخالفتهم لأمور دينهم ، والخروج عنه فقال :
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ
؛ أي : واذكر يا محمد لهم قصة إذ نتقنا جبل الطور وقلعناه من أصله ورفعناه
فَوْقَهُمْ
؛ أي : فوق بني إسرائيل حتى صار
كَأَنَّهُ
؛ أي : كأن ذلك الجبل
ظُلَّةٌ
وغمامة أظلت فوقهم
وَظَنُّوا
؛ أي : أيقنوا أنّهم إن خالفوا أوامر دينهم
أَنَّهُ
؛ أي : أنّ ذلك الجبل
واقِعٌ بِهِمْ
؛ أي : ساقط عليهم لا محالة . وذلك أنّه أخذ عليهم الميثاق ليأخذن الشريعة بقوة وعزم ، فخالفوا الميثاق ، فرفع فوقهم الطور ، وأوقع في قلوبهم الرعب خوف وقوعه عليهم ، فخر كل واحد منهم ساجدا لربّه ، وقيل العمل بالميثاق . روي « 1 » : أنّ بني إسرائيل أبو أن يقبلوا التوراة ، فرفع الجبل فوقهم ، وقيل لهم : إنّ قبلتم العمل بها وإلا ليقعن عليكم ، فوقع كل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ، وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه ، فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون : هي السجدة التي رفعت عنّا بها العقوبة حين امتثلنا ما أمرنا به . وفي الآية تعريض بأنّهم إذا كانت حالهم في مبدأ أمرهم مخالفة كتابهم ، فلا عجب إذا آل أمرهم إلى ترك العمل به بعد طول الأمد ، وقساوة القلوب ، والأنس بالمعاصي والذنوب ، وقلنا لهم في حال رفع الجبل فوقهم :
خُذُوا ما آتَيْناكُمْ
؛ أي : ما أعطيناكم من الكتاب وأحكام الشريعة ، واعملوا به حالة
هامش
( 1 ) المراغي .