أفلا تعقلون حالهم ، والباقون بالياء جريا على الغيبة في الضمائر السابقة .
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ
قرأ عمر « 1 » وأبو العالية وأبو بكر عن عاصم
يُمَسِّكُونَ
من أمسك ، والجمهور
يُمَسِّكُونَ
مشددا ، من مسك المضعف ، وهما لغتان جمع بينهما كعب بن زهير :
فما تمسّك بالعهد الّذي زعمت * إلّا كما يمسك الماء الغرابيل
وقرأ عبد اللّه والأعمش استمسكوا وفي حرف أبي تمسكوا بالكتاب .
أي : والذين يعملون ( ب ) ما في ( الكتاب ) الأول التوراة والإنجيل ، ويحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ويبينون صفة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ونعته ، ولم يحرفوه ولم يغيروا ، فإنّهم بالتمسك به ، كانوا أشد تمسكا بالكتاب الثاني الذي هو القرآن
وَأَقامُوا الصَّلاةَ
؛ أي : وداموا على إقامتها في مواقيتها ، كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، وإنّما أفرد الصلاة بالذكر - وإن كانت داخلة في التمسك بالكتاب - تنبيها على عظم قدرها ، وأنّها من أعظم العبادات بعد الإيمان باللّه ورسوله ، والموصول مبتدأ والخبر قوله :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ
بالعمل بما في الكتاب وبالصلاة ؛ أي : لا نضيع ولا نحبط أجر أعمالهم الصالحة ، وجاز جعل هذه الجملة خبرا عن الموصول ؛ لأن الربط حاصل بلفظ
الْمُصْلِحِينَ
؛ لأنّه قائم مقام الضمير ، لا سيما وهو فيه الألف واللام ؛ فإنها تكفي في الربط عند الكوفيين ، ويجوز أن يكون الموصول معطوفا على الموصول الذي قبله ، وهو قوله :
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
، وتكون حينئذ جملة
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
جملة معترضة .
والمعنى « 2 » : أن طائفة من أهل الكتاب لا يتمسكون بالكتاب ، ولا يعملون بما فيه مع كونهم قد درسوه وعرفوه ، وهم من تقدم ذكره ، وطائفة يتمسكون بالكتاب ؛ أي : بالتوراة ويعملون بما فيه ، ويرجعون إليه في أمر دينهم ، فهم المحسنون الذين لا يضيع أجرهم عند اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) الشوكاني .