تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
دَرَسُوا ما فِيهِ
؛ أي : محوه بترك العمل به والفهم له ، من قولهم : درست الريح الآثار ، إذا محتها ، ولكن فيه بعد ، وقرأ علي والسلمي : وادارسوا ، وأصله وتدارسوا ، كقوله :
فَادَّارَأْتُمْ
؛ أي : تدارأتم
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ
؛ أي : ولثواب دار الآخرة ونعيمها وهو الجنة
خَيْرٌ
من تلك الرشوة الخبيثة الخسيسة ، المعقبة خزي الدنيا والآخرة
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
عقاب اللّه ، بامتثال المأمورات ، واجتناب المنهيات ،
أَ
تجهلون خيرية ذلك
فَلا تَعْقِلُونَ
؛ أي : فلا تعلمون أنّ الدنيا فانية والآخرة باقية ، وفي هذا الاستفهام من التوبيخ والتقريع ما لا يقادر قدره ، أو المعنى : أفلا يعقل هؤلاء الذين يرضون بعرض الدنيا أنّ ما في الآخرة خير وأبقى ؛ لأنّها دار المتقين . والمعنى « 1 » : والدار الآخرة وما فيها من النعيم خير للذين يتّقون المعاصي ما ظهر منها وما بطن ؛ أي : خير لهم من حطام الدنيا الفاني ، الذي يؤخذ بالرشا والسحت وغير ذلك ، أتجهلون ذلك فلا تعقلون ، وهو واضح لا يخفى على كل ذي عقل لم تطمسه الشهوات ، ولم يعم بصيرته حطام الدنيا العاجل ، وبذا يرجح الخير على الشر ، والنعيم المقيم على المتاع الزائل ، وفي هذا إيماء إلى أنّ الطمع في متاع الدنيا هو الذي أفسد على بني إسرائيل أمرهم ، واستحوذ عليهم حب العاجلة ، فأذهب عنهم رشدهم . وفي هذا عبرة للمسلمين الذين سرى إليهم كثير من هذا الفساد ، وغلب عليهم الطمع وحب الدنيا وعرضها الزائل ، وهم قد درسوا كتابهم الكريم ، لكن التحلي بلقب الإسلام - والتعلل بأماني المغفرة مع الإصرار على الذنوب اتكالا على الشفاعات والمكفرات - هو الذي غرهم وجعلهم يتمادون في غيهم ، وكتابهم ينهاهم عن الأماني والأوهام ، وكون الشفاعة لا تقع إلا بإذن اللّه تعالى لمن رضي عنه كما قال :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
. وقرأ « 2 » نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب التفاتا لهم ، ويكون المراد إعلاما بتناهي الغضب ، وتشديد التوبيخ ، أو يكون خطابا لهذه الأمة ؛ أي :
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) البحر المحيط ، والمراح .