تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
82 وقلما ذكر عذاب الفاسقين إلا قرنه بذكر الرحمة والمغفرة للمحسنين ، حتى لا ييأس صالح مصلح من رحمة ربه بذنب عمله بجهالة ، ولا يأمن مفسد من عقابه اغترارا بعفوه وكرمه ، وهو مصرّ على ذنبه ، وقد فصل سبحانه عقابهم ، فذكر بدء إذلالهم بإزالة وحدتهم ، وتمزيق جامعتهم ، فقال :
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً
؛ أي : وفرقنا بني إسرائيل الذين قبل النبي صلى اللّه عليه وسلّم في نواحي الأرض وأقطارها حالة كونهم فرقا كثيرة ، وأمما ؛ أي : جماعات مشتتة ، فيها كل فرقة منهم في قطر من أقطارها ، فلا يخلو منهم قطر ، وليس لهم شوكة ولا دولة . .
مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ
كالذين نهوا من اعتدوا في السبت عن ظلمهم ، والذين كانوا يؤمنون بالأنبياء من بعد موسى ، والذين آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم
وَمِنْهُمْ
أناس
دُونَ ذلِكَ
المذكورين في الصلاح لم يبلغوا مبلغهم ، وهم سائر المؤمنين من بني إسرائيل ، ومنهم الغلاة في الكفر والفسق ، كالذين كانوا يقتلون النبيين بغير حق ، ومنهم السماعون للكذب ، الأكالون للسحت والرشا ، لتبديل الأحكام ، والقضاء بغير ما أنزل اللّه تعالى ، كما هو شأن الأمم ؛ فإنّها تفسد تدريجا لا دفعة واحدة ، كما نشاهد ذلك في المسلمين الذين تتبعوا نظم النصارى ، ورضعوا البانهم ، وقيل معنى
وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ
؛ أي : ومنهم أناس غير أولئك الصالحين ، وهم الذين كفروا من بني إسرائيل وبدلوا وغيروا
وَبَلَوْناهُمْ
؛ أي : واختبرناهم
بِالْحَسَناتِ
؛ أي : بالنعم والخصب والعافية
وَالسَّيِّئاتِ
؛ أي : بالجدوبة والشدائد
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
؛ أي : لكي يرجعوا عن معصيتهم إلى طاعة ربهم ؛ فإن كلا من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة بالترغيب والترهيب ، والمعنى : واختبرنا بني إسرائيل وامتحنا استعدادهم بالنعم التي تحسن في عيونهم ، وتقر بها أفئدتهم ، وبالنقم التي تسؤهم - وإن كانت قد تحسن بالصبر عاقبتها لديهم - رجاء أن يرجعوا عن ذنبهم ، وينيبوا إلى ربهم ، فيعود إليهم فضله ورحمته .
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
؛ أي : جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم بدل سوء
وَرِثُوا الْكِتابَ
؛ أي : أخذوا التوراة من أسلافهم يقرءونها ولا يعملون بها وقرأ الحسن : ورثوا بضم الواو وتشديد الراء ، حالة كونهم
يَأْخُذُونَ
من