تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
تراني ، إذ هو مشارك لك في مادة هذا العالم الفاني ، وإذا كان الجبل في قوته وثباته لا يستطيع أن يثبت ويستقر ؛ لأنّ مادته غير مستعدة لقوة تجلي خالقه وخالق كل شيء ، فاعلم أنّك لن تراني أيضا ، وأنت مشارك له في كونك مخلوقا من هذه المادة ، وخاضعا للسنن الربانية في ضعف استعدادها ، وقبولها للفناء
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ
؛ أي : رب موسى أو رب الجبل
لِلْجَبَلِ
؛ أي : ظهر له بعض ظهور وأدناه وأقله ظهورا بلا كيف
جَعَلَهُ
؛ أي : جعل ذلك التجلي الجبل
دَكًّا
؛ أي : مدكوكا مدقوقا ، فصار ترابا من الدك ، وهو الدق مصدر بمعنى اسم المفعول ، هذا على قراءة الجمهور « 1 » ، وقرأ حمزة والكسائي دكاء بزنة حمراء ، والدكاء الناقة التي لا سنام لها ، والمعنى : جعله أرضا دكاء ؛ أي : مستوية لا ارتفاع فيها ، تشبيها له بالناقة الدكاء ، وقال الزمخشري : والدكاء اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة . انتهى ، والمعنى على هذا : جعله جبلا صغيرا كالرابية ، وقرأ ابن وثاب : دك بضم الدال ، وبالقصر جمع دكاء بالمد نحو : غز جمع غزاء ، والمعنى : جعله قطعا صغارا
وَخَرَّ مُوسى
؛ أي : سقط موسى على وجهه
صَعِقاً
؛ أي : مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة ، والتجلي إنّما كان للجبل دونه ، فما بالك لو كان له ، والمعنى : أنّه صار حاله لما غشى عليه ، كحال من يغشى عليه عند إصابة الصاعقة له ، أي : النار النازلة من السماء عند الرعد والبرق
فَلَمَّا أَفاقَ
موسى وصحا من غشيته
قالَ
موسى :
سُبْحانَكَ
يا إلهي ؛ أي : تنزيها لك وتقديسا عما لا ينبغي في شأنك مما سألت ؛ أي : أنزهك تنزيها من أن أسألك شيئا لم تأذن لي به
تُبْتُ إِلَيْكَ
عن العود إلى مثل هذا السؤال ، وأكثر المفسرين يجعلون وجه التنزيه والتوبة أنّه سأل الرؤية بغير إذن من اللّه تعالى ، فتاب ورجع عما طلب ، وقال مجاهد :
تُبْتُ إِلَيْكَ
؛ أي : أسألك الرؤية . قال القرطبي : وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية ؛ فإنّ الأنبياء معصومون ، وقيل : هي توبة من قتله للقبطي . ذكره القشيري . ولا وجه له في مثل هذا المقام .
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 123 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي