تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
قال أهل الأخبار : لما جاء موسى لميقات ربه تطهر وطهر ثيابه وصام ، ثم أتى طور سيناء ، فأنزل اللّه تعالى ظلة غشيت الجبل على أربع فراسخ من كل ناحية ، وطرد عنه الشيطان وهوام الأرض ، ونحى عنه الملكين ، وكشط له السماء ، فرأى الملائكة قياما في الهواء ، ورأى العرش بارزا ، وأدناه ربه حتى سمع صريف الأقلام على الألواح ، وكلّمه وكان جبريل معه لم يسمع ذلك الكلام ، فاستحلى موسى كلام ربه ، فاشتاق إلى رؤيته فقال :
رَبِّ أَرِنِي . . .
الخ . وإنّما سألها مع علمه بأنّها لا تجوز في الدنيا لما هاج به من الشوق ، وفاض عليه من أنواع الجلال ، واستقر في بحر المحبة ، فعند ذلك سأل الرؤية ، وقيل : إنما سأل الرؤية ظنا منه بأنه تعالى يرى في الدنيا ، وتعالى اللّه عن ذلك . وقال السدي : لما كلم اللّه موسى عليه السلام . . غاص عدو اللّه إبليس الخبيث في الأرض حتى خرج من بين قدمي موسى ، فوسوس إليه أن مكلمك شيطان ، فعند ذلك سأل موسى ربه الرؤية اه « خازن » . وسؤال موسى « 1 » للرؤية يدل على أنّها جائزة عنده في الجملة ، ولو كانت مستحيلة عنده لما سألها ، والجواب بقوله :
لَنْ تَرانِي
يفيدا أنّه لا يراه في هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه ، أو أنّه لا يرى ما دام الرائي حيا في دار الدنيا ، وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة ، والجدال في مثل هذا لا يأتي بفائدة ، ومنهج الحق واضح ، والاستدراك بقوله :
وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
معناه أنّك لا تثبت لرؤيتي ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرما وصلابة وقوة ، وهو الجبل فانظر إليه
فَإِنِ اسْتَقَرَّ
الجبل
مَكانَهُ
ولم يتزلزل عند رؤيتي له
فَسَوْفَ تَرانِي
؛ أي : فلعلك تراني وإن ضعف الجبل عن ذلك فأنت منه أضعف ، فهذا الكلام بمنزلة ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل ، أو من باب التعليق بالمحال ، وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدمنا . والمعنى : فإن « 2 » ثبت الجبل لدى التجلي ، وبقي مستقرا في مكانه . . فسوف
هامش
( 1 ) الشوكاني . ( 2 ) المراغي .