وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
بك قبل قومي الموجودين في هذا العصر ، المعترفين بعظمتك وجلالك .
والخلاصة « 1 » : أنّ موسى لما نال فضيلة التكليم بلا واسطة ، فسمع من عالم الغيب ما لم يسمع من قبل ، تاقت نفسه أن يمنحه الرب شرف رؤيته ، فطلب ذلك منه ، وهو يعلم أنّه ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ، ولا في صفاته التي منها كلامه ، ولكن اللّه تبارك وتعالى قال له :
لَنْ تَرانِي
ولكي يخفف عليه ألم الرد أراه بعينه من تجليه للجبل ما فهم منه أنّ المانع من جهته لا من جانب الفيض الإلهي ، حينئذ نزه اللّه وسبّحه وتاب إليه من هذا الطلب ، فبشره بأنّه اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه ، وأمره أن يأخذ ما أعطاه ويكون من الشاكرين له كما قال .
قالَ
اللّه سبحانه وتعالى :
يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ
واخترتك وفضلتك
عَلَى النَّاسِ
المعاصرين لك من بني إسرائيل
بِرِسالاتِي
، قرأ نافع وابن كثير بالإفراد ، وهو مراد به المصدر ؛ أي : بإرسالي ، أو يكون على حذف مضاف ؛ أي : بتبليغ رسالتي ؛ لأنّ مدلول الرسالة غير مدلول المصدر ، وقرأ باقي السبعة بالجمع نظرا إلى أن الذي أرسل به ضروب وأنواع من الوحي
وَ
اصطفيتك
بِكَلامِي
؛ أي : بتكليمي لك بلا توسط ملك ، وإن كان من وراء حجاب ، وقد طلب موسى رفع هذا الحجاب لتحصل له الرؤيا مع الكلام ، وقرأ الجمهور
وَبِكَلامِي
بالإفراد ، على أنّه مصدر كما فسرنا ، أو على أنّه على حذف مضاف ؛ أي :
وبسماع كلامي ، وقرأ أبو رجاء برسالتي وبكلمي جمع كلمة ؛ أي : وسماع كلمي ، وقرأ الأعمش برسالاتي وتكلمي
فَخُذْ ما آتَيْتُكَ
؛ أي : فخذ ما أعطيتك من الشريعة ، وهي التوراة
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
؛ أي : من جماعة الشاكرين لنعمتي عليك وعلى قومك بإقامتها بقوة وعزيمة ، والعمل بها ، وأداء حقوق نعمي جميعها عليك ، تنل المزيد من فضلي
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
.
هامش
( 1 ) المراغي .