تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
والانغماس في اللذات . قال الحسن البصري : وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس انتهى . قال الكلبي « 1 » : فأما استمتاع الإنس بالجن : كان الرجل في الجاهلية إذا سافر ، فنزل بأرض قفراء ، وخاف على نفسه من الجن . . قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه ، فيبيت في جوارهم ، وأما استمتاع الجن بالإنس : فهو أنهم قالوا : سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا ، فيزدادون بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم . وقيل : استمتاع الإنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة ، وتزيينهم الأمور التي كانوا يهوونها وتسهيل سبلها عليهم ، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس للجن فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي ، وقيل غير ذلك . وقيل : إن قوله :
رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ
هو من كلام الإنس خاصة ؛ لأن استمتاع الجن بالإنس ، وبالعكس أمر نادر لا يكاد يظهر ، أما استمتاع الإنس بعضهم ببعض فهو ظاهر ، فوجب الكلام عليهم .
وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا
؛ أي : أدركنا ووصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذي حددته لنا ، وهو يوم البعث والجزاء ، وقد اعترفنا بذنوبنا ، فاحكم فينا بما تشاء وأنت الحكم العدل ، وقرئ : آجالنا - على الجمع الذي على التذكير والإفراد - قال أبو علي : هو جنس أوقع ( الذي ) موقع ( التي ) ، انتهى . ذكره أبو حيان في « البحر » . ومقصدهم « 2 » من هذا الإخبار إظهار الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا وتفويض الأمر إلى ربهم العليم بحالهم ، ولم يذكر هنا قول المتبوعين من الجن ، وحكاه في آي أخرى ، فقال - سبحانه - في الفريقين :
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
وكما ذكر في سورة البقرة كيف يتبرأ بعضهم من بعض ، وحكى في إبراهيم
هامش
( 1 ) الخازن . ( 2 ) المراغي .