تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت » .
وَمَنْ يُرِدْ
اللّه سبحانه وتعالى
أَنْ يُضِلَّهُ
؛ أي : إضلاله وشقاوته
يَجْعَلْ صَدْرَهُ
وقلبه
ضَيِّقاً
عن قبول الإسلام غير متسع له
حَرَجاً
؛ أي : شديد الضيق لا يتسع لشيء من الهدي ، ولا يخلص إليه شيء من الإيمان فهو بمعنى الضيق مع المبالغة كرره تأكيدا ، وحسن ذلك اختلاف اللفظ
كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
؛ أي : كأنما يتكلف صدره الصعود في السماء ، ويحاول الطلوع إليها ، ويزاول أمرا غير ممكن . قال ابن جرير : وهذا « 1 » مثل ضربه اللّه لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه ؛ لأنه ليس في وسعه ، أي : أن « 2 » من فسدت فطرته بالشرك وتدنست نفسه بالآثام والذنوب . . يجد في صدره ضيقا أيما ضيق إذا طلب إليه التأمل فيما يدعى له من دلائل التوحيد ، والنظر في الآفاق والأنفس لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الناس ، وتضعف إرادته عن ترك ما هو عليه ، فتكون إجابته الداعي إلى الدين الجديد ثقيلة عليه ، ويشعر بالعجز عن احتمالها ، ويكون مثله مثل من صعد في الطبقات العليا في جو السماء إذ يشعر بضيق شديد في التنفس ، وكلما صعد في الجو أكثر شعر بضيق أشد ، حتى إذا ما ارتفع إلى أعلى من ذلك شعر بتخلخل الهواء ، ولم يستطع سبيلا إلى البقاء ، فإن هو قد بقي فيها مات اختناقا . وخلاصة ذلك : أن اللّه ضرب مثلا لضيق النفس المعنوي يجده من دعي إلى الحق ، وقد ألف الباطل وركن إليه بضيق التنفس الذي يجده من صعد بطائرة إلى الطبقات العليا من الجو حتى لقد يشعر بأنه أشرف على الهلاك ، وهو لا محالة هالك إن لم يتدارك نفسه ، وينزل من هذا الجو إلى طبقات أسفل . سبحانك ربي ، نطق كتابك الكريم بقضية لم يتفهم سرّها البشر ، ولم يفقه
هامش
( 1 ) الطبري . ( 2 ) المراغي .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 53 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي