تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
بجميع الوجوه كالغصب والسرقة ، وأخذ الرشوة ، وقطع الطريق وانتزاع الأموال بطريق الحيل وقيل : كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه كما يفعل أمراء الجور . وعبارة المراغي هنا : قوله :
فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ
قد « 1 » ثنى اللّه سبحانه وتعالى بالأمر بإيفاء الكيل والميزان إذا باعوا ، والنهي عن بخس الناس أشياءهم إذا اشتروا بعد أن أمرهم بتوحيد اللّه ؛ لأن ذلك كان فاشيا فيهم أكثر من سائر المعاصي ، ومن ثم اهتم به كما اهتم لوط بنهي قومه عن الفاحشة السوء أي التي كانت فاشية فيهم ، فقد كانوا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس ، أو وزنوا عليهم لأنفسهم ما يشترون من المكيلات والموزونات يستوفون حقهم ، ويزيدون عليه ، وإذا كالوهم ، أو وزنوهم ما يبيعون لهم يخسرون الكيل والميزان ؛ أي : ينقصونه ، فيبخسون أشياءهم ، وينقصونهم حقوقهم . والبخس : يشمل نقص المكيل والموزون وغيرهما من المبيعات كالمواشي والأشياء المعدودة ، ويشمل البخس في المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق ، وفي الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل ، وقد فشا كل من هذين النوعين في هذا العصر ، فكثير من التجار باخسون مطففون فيما يبيعون وما يشترون ، وكثير من المشتغلين بالعلوم والآداب والسياسة بخّاسون لحقوق بني جلدتهم ، مدّعون للتفوق عليهم ، منكرون لما خص اللّه به سواهم من المزايا والخصائص حسدا عليهم وبغيا . وقد روي أن قوم شعيب كانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ، ويقولون : هذه زيوف ، فيقطعونها قطعا ، ثم يشترونها منه بالبخس ؛ أي : بالنقصان الظاهر ، وأعطوه بدلها زيوفا ، وكانت هذه المعصية قد فشت فيهم في ذلك الزمان مع كفرهم الذي نالتهم الرجفة بسببه .
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
بالكفر والمعاصي
بَعْدَ إِصْلاحِها
؛ أي : بعد أن أصلحها اللّه سبحانه وتعالى ببعثة الرسل ، وإقامة العدل ، وإفاضة النعم فيها ،
هامش
( 1 ) المراغي .