أدبارهم ، ولما كان هذا الفعل معهودا قبحه ، ومركوزا في العقول فحشه أتى بها معرفا بالألف واللام ذكره أبو حيان . والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ ؛ أي : لا ينبغي لكم أن تفعلوها ، والحال أنه
ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ
( من ) الأولى زائدة « 1 » لتوكيد النفي ، وإفادة معنى الاستغراق ، والثانية للتبعيض .
والمعنى :
ما سبقكم أيها القوم بهذه الفعلة الفاحشة أحد من العالمين قبلكم . والجملة « 2 » استئنافية مقررة للإنكار كأنه وبخهم أولا بإتيان الفاحشة ، ثم باختراعها ، فإنه أسوأ . قال عمرو بن دينار : ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا قبل قوم لوط عليه السلام . والمعنى « 3 » : أي ما عملها أحد قبلكم في أي زمان ، بل هي من مبتدعاتكم في الفساد ، فأنتم فيها أسوة وقدوة ، فتبئون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى يوم القيامة . وفي هذا بيان بأن ما اجترحوه من السيئات مخالف لمقتضيات الفطرة ، ومن ثم لم تتطلع إليه نفوس أحد من البشر قبلهم إلى ما فيه من مخالفة لهدي الدين . قال الحسن : كانوا يأتون الغرباء كانت بلادهم الأردن تؤتى من كل جانب لخصبها ، فقال لهم إبليس - وهو في صورة غلام - : إن أردتم دفع الغرباء . . فافعلوا بهم هكذا ، فمكنهم من نفسه تعليما لهم ، ثم فشا ، واستحلوا ما استحلوا .
وفي تسمية « 4 » هذا الفعل بالفاحشة دليل على أنه يجري مجرى الزنا يرجم من أحصن ، ويجلد من لم يحصن ، وفعله عبد اللّه بن الزبير : أتى بسبعة منهم ، فرجم أربعة أحصنوا ، وجلد ثلاثة ، وعنده ابن عمر وابن عباس ، ولم ينكروا به ، وبه قال الشافعي . وقال مالك : يرجم أحصن أو لم يحصن ، وكذا المفعول به إن كان محتلما ، وعنده يرجم المحصن ويؤدب ، ويحبس غير المحصن ؛ وهو مذهب عطية وابن المسيب والنخعي وغيرهم . وعن مالك أيضا : يعزر أحصن أو لم يحصن ؛ وهو مذهب أبي حنيفة . وحرّق خالد بن الوليد رضي اللّه عنه رجلا يقال له الفجاء عمل ذلك العمل ، وذلك برأي أبي بكر وعلي ، وإن أصحاب
هامش
( 1 ) الخازن .
( 2 ) البيضاوي .
( 3 ) المراغي .
( 4 ) البحر المحيط .