تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
ويبرد ؛ لوصوله إلى منطقة باردة ، أو لامتزاجه بتيار من الهواء البارد ، فإذا برد تكاثف منه بخار الماء ، وتكون السحاب ، فالسحاب ناشئ من تكاثف بخار الماء من الهواء في الطبقات العالية من الجو ، وهو لا يكون ثابتا في مكان ، بل يسير في اتجاه أفقي مدفوعا بقوة الريح ، ويتراوح بعده عن الأرض بين ميل وعشرة أميال ، ويكون معتما مشبعا بالماء إذا كان قريبا من سطح الأرض ، وهو الذي ينشأ عنه المطر ؛ لتجميع قطيرات الماء التي فيه بعضها مع بعض بتأثير البرودة ، فتكون قطيرات كبيرة تسقط من خلاله نحو الأرض ؛ لثقلها بحسب سنة اللّه في جاذبية الثقل . وقد أثبت العلم ودلت المشاهدة : أن سكان الجبال الشامخة يبلغون في العلو حذاء السحاب الممطر ، أو يتجاوزونه إلى ما فوقه ، فيكون دونهم
فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
؛ أي : فأخرجنا بالماء أنواع الثمار على اختلاف طعومها وألوانها وروائحها ، فتخرج كل أرض أنواعا مختلفة منها تدل على قدرة اللّه تعالى وعلمه ، ورحمته وفضله كما قال :
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 4 )
. وبعد أن ذكرهم بهذه الآيات . . قفى على ذلك بما يزيل إنكارهم للبعث ، فقال :
كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى
؛ أي : ومثل هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة بإحيائها بالماء نخرج الموتى من الناس وغيرهم إذ القادر على هذا قادر على ذلك
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
هذا الشبه ، فيزول استبعادكم للبعث بنحو قولكم :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
، وقولكم :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 )
. فأمثال هذه المقالات الدالة على إنكار خروج الحي من الميت تزول إذا أنتم تذكرتم خروج النبات الحي من الأرض الميتة إذ لا فارق بين حياة النبات ، وحياة الحيوان ، فكل منهما خاضع لقدرة الإله القادر على كل شيء ، والحياة في عرف المخاطبين كانت تعرف بالتغذي ، والنمو في النبات ، والحس والحركة