تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
بإعطاء الداعي ما طلبه ، فربما كانت بما يعلم اللّه أنه خير له منه . ثم بين فائدة الدعاء وعلل سبب طلبه ، فقال :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
سبحانه وتعالى وثوابه
قَرِيبٌ مِنَ
عباده
الْمُحْسِنِينَ
ذكر الخبر نظرا إلى أن الرحمة بمعنى الثواب كما فسرناه كذلك ؛ أي : إن رحمته تعالى قريبة من المحسنين أعمالهم بأي نوع من الأنواع كان إحسانهم ، لأن الجزاء من جنس العمل كما قال :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ( 60 )
فمن أحسن في عبادته . . نال حسن الثواب ، ومن أحسن في الدعاء . . أعطي خيرا مما طلبه ، وقد طلب الإحسان في كل شيء يهدي إليه دين الفطرة ، وحرم الإساءة في كل شيء ، وجعل جزاءها من جنسها كما قال :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
. وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته » . رواه مسلم . وأصل الرحمة « 1 » : رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وتستعمل تارة في الرقة المجردة ، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة ، وإذا وصف بها الباري جل وعزّ ، فليس يراد بها إلا الإحسان المجرد دون الرقة ، فرحمة اللّه عزّ وجل عبارة عن الإفضال والإنعام على عباده ، وإيصال الخير إليهم . وكون الرحمة قريبة من المحسنين « 2 » ؛ لأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار عن الدنيا ، وإقبال على الآخرة ، وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة ، وليس بينه وبين رحمة اللّه التي هي الثواب في الآخرة إلا الموت ؛ وهو قريب من الإنسان . والأحسن « 3 » في علة تذكير
قَرِيبٌ
مع أن الرحمة مؤنثة أن يقال : تذكيره إما باعتبار أن الرحمة مجازية التأنيث ، أو باعتبار أن المراد بها الثواب ؛
هامش
( 1 ) الخازن . ( 2 ) الخازن . ( 3 ) الجمل بتصرف .