تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
المسلمين ، وكان سببا في تعليم القبائل المتوحشة القاطنة في الكهوف والغابات أفرادا وجماعات لبس الثياب عند دخولها في حظيرة الإسلام ، وكانوا قبل ذلك يعيشون عراة الأجسام رجالا ونساء حتى ذكر بعض المنصفين من الإفرنج أن لانتشار الإسلام في إفريقية منه على أوروبا بنشره للمدينة بين أهلها ؛ إذ ألزمهم ترك العرى ، وأوجب لبس الثياب ، فكان ذلك سببا في رواج تجارة المنسوجات . وبهذا نقل الإسلام أمما وشعوبا كثيرة من الوحشية إلى الحضارة الراقية ؛ أي : خذوا زينتكم عند المساجد وأداء العبادات
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
من الطيبات
وَلا تُسْرِفُوا
فيها بالتعدي إلى الحرام ، أو بتحريم الحلال ، أو بالإفراط في الطعام ، بل عليكم بالاعتدال في جميع ذلك
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
؛ أي : لأن اللّه سبحانه وتعالى الخالق لهذه النعم لا يحب المسرفين ؛ أي : لا يرتضي عنهم فعلهم ، بل يعاقبهم على هذا الإسراف بمقدار ما ينشأ عنه من المضار والمفاسد ؛ لأنهم قد خالفوا سنن الفطرة ، وجنوا على أنفسهم في أبدانهم وأموالهم ، وجنوا على أسرهم وأوطانهم إذ هم أعضاء في جسم الأسرة والأمة . روى النسائي وابن ماجة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة - كبر وإعجاب بالنفس - ولا سرف ، فإن اللّه يحب أن يرى أثر نعمه على عبده » . وعن ابن عباس أنه قال : كل ما شئت ، واشرب ما شئت ، والبس ما شئت إذا أخطأتك اثنتان : سرف أو مخيلة . والإسراف تجاوز الحد في كل شيء ، والحدود لها أقسام : منها : طبيعي كالجوع والشبع ، والظمأ والري ، فمن أكل إذا أحس بالجوع ، أو كف عن الأكل إذا شعر بالشبع ، وإن كان يستلذ الاستزادة أو شرب إذا شعر بالظمإ ، واكتفى بما يزيله ، ولم يزد على ذلك . . لم يكن مسرفا في أكله وشربه ، وكان طعامه وشرابه نافعين له . ومنها : اقتصادي ؛ وهو أن تكون النفقة على نسبة معينة من دخل الإنسان بحيث لا تستغرق كسبه .