وقلما يعرفها غير الأطباء ، ومن ثم لا يشعر بها السكارى ، وإنما يشعرون بما يعقب الشرب من صداع وغشيان يسهل عليهم احتماله ، وترجيح لذة النشوة عليه إلى أنه لو علمها بعد ، فقلما يفيد علمه بها شيئا بعد بلوغ تأثيرها هذه الدرجة في السكر حتى تحمله على التوبة إذ داء الخمّار يزمن ، وحب السكر يضعف الإرادة . وعقاب الأفراد على الذنوب في الدنيا لا يطرد في الأمم ، فعقابها في الدنيا على ما تجترح حتم لا شبهة فيه ، ولكن له آجال ومواقيت أطول مما يكون في الأفراد ، ويختلف باختلاف أحوال الأمة في القوة والضعف ، فأمة نشأ فيها الظلم والطغيان ، وعدمت الثقة بين أفرادها ، واختلّ نظام الأمن فيها ، وكثر فيها الفسق والفجور . . تسوء حالها ، وتنحل قواها ، وتتفكك روابط الألفة والمودة بين أفرادها ، وتضعف منعتها ، فتحسب أهلها جميعا وقلوبهم شتى ، ولا يزال أمرها يأخذ في التدهور - السقوط في مهواة التسفل - والفساد حتى يستولى عليها العدو القاهر ، ويمتص ثروتها ، ويجعل أهلها أذلة مستضعفين ، وقلما تشعر أمة بعاقبة ذنوبها قبل وقوع العقوبة كما لا يجديها نفعا أن يقول حكماؤها :
يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
.
وربما عمّها الجهل ، وران على قلوبها الفساد ، فلا تشعر بأن ما حل بها إنما كان جزاء وفاقا ، ونكالا من اللّه على ما قدمت من عمل ، واقترفت من إثم ، فترضى باستذلال الغاصب واستعباده واستئماره ، كما رضيت من قبل بما اجترحت من الآثام والذنوب ، كما هو مشاهد في بعض شعوب إفريقيا ، وإذا أرادت لها علاجا ، وتمنت لها دواء من دائها الدوي ، وتلفتت يمنة ويسرة سرا وعلانية . . لم تجده إلا ما وصفه الكتاب الكريم :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
ولن يكون ذلك إلا بالإقلاع عما ترتكب من الجرائم ، والتوبة الصادقة ، والعمل الطيب الذي تصلح به القلوب ، وتستقيم الأمور ، وهاكم ما قاله العباس عم النبي صلى اللّه عليه وسلم حين توسل به عمر والصحابة بتقديمه لصلاة الاستسقاء لما انقطع الغيث ، وعم الجدب : اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة .
وفي هذا عبرة أيما عبرة للشعوب الإسلامية التي ثلّت عروشها ، وخوت صروح عظمتها ، وقد كانت أجدر بهدى القرآن ، ولكن أنى لها بذلك ، وقد هجره