تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
عليه وزرها ، ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » . رواه مسلم . وهذه قاعدة من أصول كل دين بعث اللّه به رسله كما جاء في سورة النجم :
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ( 36 ) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 )
. وهذه الوصية من أعظم دعائم الإصلاح في المجتمع البشري ، وهادمة لأسس الوثنية ، وهادية للناس جميعا إلى ما تتوقف عليه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، فإن العمل وحده هو وسيلة الفوز وطريق النجاة ، لا كما يزعم الوثنيون من طلب رفع الضر وجلب النفع بقوة من وراء الغيب ، وهي وساطة بعض المخلوقات الممتازة ببعض الخواص والمزايا بين الناس وربهم ليعطيهم ما يطلبون في الدنيا بلا كسب ولا سعي من طريق الأسباب التي جرت بها سنته في خلقه ، وليحملوا عنهم أوزارهم حتى لا يعاقبوا بها ، أو ليحملوا الخالق على رفعها عنهم ، وترك عقابهم عليها ، وعلى إعطائهم نعيم الآخرة ، وإنقاذهم من عذابها . ومما ينتفع به المرء من عمل غيره - لأنه في الحقيقة كأنه عمله ، إذ كان سببا فيه - دعاء أولاده وحجهم وتصدقهم عنه وقضاؤهم لصومه ، كما ورد في الحديث : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » رواه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي عن أبي هريرة . ذاك أن اللّه قد ألحق ذرية المؤمنين بهم بنص الكتاب ، وصح في السنة أن ولد الرجل من كسبه .
ثُمَّ
بعد اختلافكم في الدنيا في الأديان والملل
إِلى رَبِّكُمْ
لا إلى غيره
مَرْجِعُكُمْ
؛ أي : رجوعكم يوم القيامة للمجازاة ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر
فَيُنَبِّئُكُمْ
؛ أي : يخبركم ويعلمكم
بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
في الدنيا من الأديان والملل ، فيثيب المسلمين ويعذب الكافرين ؛ أي : ثم إن رجوعكم في الحياة الآخرة إلى ربكم دون غيره مما عبدتم من دونه ، فينبئكم بما كنتم تختلفون فيه من أمر أديانكم المختلفة ، ويتولى جزاءكم عليه وحده بحسب علمه وإرادته القديمين ،