تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
والناس وإن كانوا يلاقون جزاء أعمالهم في الدنيا باعتبارهم أفرادا من بؤس وشقاء ، جزاء تفريطهم في أداء الحقوق والواجبات التي عليهم ، فربّما يظهر ذلك في بعض دون بعض ، فإنّا نرى كثيرا من المنغمسين في شهواتهم ، يقضون أعمارهم وهم متمتّعون بلذّاتهم . نعم : إنّهم لا يسلمون من المنغّصات ، وربّما أتتهم الجوائح في أموالهم ، واعتلّت أجسامهم ، وضعفت عقولهم ، ولكن لا يكون جزاء كاملا لما اقترفوه من عظيم الموبقات ، وكبير المنكرات . كذلك نرى كثيرا من المحسنين ، يبتلون بهضم حقوقهم ، ولا ينالون ما يستحقّون من حسن الجزاء . نعم : إنّهم ينالون بعض الجزاء براحة ضمائرهم ، وسلامة أجسامهم ، وصفاء ملكاتهم ، وتهذيب أخلاقهم ، ولكن ليس هذا كلّ ما يستحقّون من الجزاء ، فإذا جاء ذلك اليوم ، استوفى كلّ عامل جزاء عمله كاملا ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ ، جزاء وفاقا لما عملوا
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
. أمّا الناس باعتبارهم أمما وجماعات : فيظهر جزاؤهم في الدنيا ظهورا تامّا ، فما من أمّة انحرفت عن الصراط السويّ ، ولم تراع سنّة اللّه في الخليقة ، إلّا حلّ بها ما تستحق من الجزاء من فقر بعد غنى ، وذلّ بعد عزّة ، ومهانة بعد جلال وهيبة . فائدة : « 1 » ومن لطائف
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
: أنّ مخالفة الملك تؤول إلى خراب العالم وفناء الخلق ، فكيف مخالفة ملك الملوك ؟ كما قال تعالى :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
والطاعة سبب المصالح ، كما قال تعالى :
نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
، فعلى الرعيّة مطاوعة الملوك ، وعلى الملوك مطاوعة ملك الملوك ؛ لتنتظم مصالح العالم . ومن لطائفه أيضا : أنّ
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
يبيّن أنّ كمال ملكه بعدله حيث قال :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
، فالملك المجازي إن كان عادلا كان حقّا ، فدرّت الضروع ، ونمت
هامش
( 1 ) روح البيان .