تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
فكره ، أو يرقى إليه إدراكه . فمن يتذلّل لملك لا يقال : إنّه عبده ؛ لأن سبب التذلّل معروف ، وهو إما ؛ لخوف من جوره وظلمه ، وإما ؛ رجاء كرمه وجوده . وللعبادة صور وأشكال تختلف باختلاف الأديان والأزمان ، وكلّها شرعت ؛ لتنبيه الإنسان إلى ذلك السلطان الأعلى ، والملكوت الأسمى ؛ ولتقويم المعوجّ من الأخلاق ، وتهذيب النفوس ، فإن لم تحدث هذا الأثر لم تكن هي العبادة التي شرعها الدين . هاك الصلاة : هب أنّ اللّه أمرنا بإقامتها ، والإتيان بها كاملة ، وجعل من آثارها : أنّها تنهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، كما قال تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
، فإن لم يكن لها هذا الأثر في النفوس ، كانت صورا من الحركات والعبارات ، خالية من روح العبادة وسرّها ، فاقدة جلالها وكمالها ، وقد توعّد اللّه سبحانه فاعلها بالويل والثبور ، فقال :
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
، فهم وإن سمّاهم مصلّين لأنهم أتوا بصورة الصلاة ، وصفهم بالسهو عن حقيقتها ولبّها ؛ وهو توجّه القلب إلى اللّه والإخبات إليه ، وهو المشعر بعظمته . وفي الحديث : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، لم يزدد من اللّه إلّا بعدا » . وأنّها « تلفّ كما يلفّ الثوب البالي ، ويضرب بها وجهه » .
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
أي « 1 » : منك لا من غيرك نطلب المعونة على عبادتك ، وعلي جميع أمورنا دينا ودنيا . فإن قلت : الاستعانة على العمل إنّما تكون قبل الشروع فيه ، فلم أخّر الاستعانة عن العبادة ، وما الحكمة فيه ؟ قلنا : قدّمت العبادة على الاستعانة ؛ لأنّ تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة ، أو قدّمها ؛ لرعاية الفاصلة كما قدّم الرحمن ، وإن كان الأبلغ لا يقدّم . اه . « نسفي » . وعبارة « الخازن » هنا : فإن قلت : الاستعانة على العمل إنّما تكون قبل
هامش
( 1 ) النسفي .