تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
وقوله :
وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
؛ أي : إلى عين البقرة المأمور بذبحها ، أو إلى ما خفي من أمر القاتل ، أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا بذبح البقرة . وفي تعليق هدايتهم بمشيئة اللّه إنابة ، وانقياد ، ودلالة على ندمهم على ترك موافقة الأمر . وتوسط الشرط هنا بين اسم إنّ وخبرها ؛ ليحصل توافق رؤوس الآي ؛ وللاهتمام بتعليق الهداية بمشيئة اللّه جاء خبر إن اسما ؛ لأنه أدل على الثبوت ، وعلى أن الهداية حاصلة لهم ، وأكد بحرفي التأكيد إنّ واللام ، ولم يأتوا بهذا الشرط إلا على سبيل الأدب مع اللّه تعالى ، إذ أخبروا بثبوت الهداية لهم ، وأكدوا تلك النسبة ولو كان تعليقا محضا لما احتيج إلى تأكيد
قالَ
موسى عليه السلام
إِنَّهُ
تعالى
يَقُولُ إِنَّها
؛ أي : إن البقرة التي أمرتكم بذبحها
بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ
؛ أي ؛ لا مذللة ذللها العمل . يقال : دابة ذلول بيّنة الذل بالكسر ، وهو خلاف الصعوبة ، وهو صفة لبقرة ، بمعنى : أنها بقرة غير مذللة بأيّ عمل ، ولا مهيّأة لأي خدمة . قال الحسن : كانت البقرة وحشية ، ولهذا وصفت بأنها لا تثير الأرض بالحرث ، ولا يسنى عليها فتسقي ، ولم يقل : ذلولة بالتاء ؛ لأن فعولا إذا كان وصفا لم تدخله الهاء ، كصبور وقوله :
تُثِيرُ الْأَرْضَ
أي تقلب الأرض للزراعة صفة ذلول ، كأنه قيل : لا ذلول مثيرة للأرض ، وقوله :
وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ
معطوف على تثير على كونه صفة لذلول ؛ أي : ليست بسانية يسقي عليها بالسواني ، ولا الأولى للنفي ، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى ؛ لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول ، كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية ، كذا في « الكشاف » والمعنى ؛ أي : ولا تحمل الماء إلى الأرض المهيأة للزراعة ، يعني : أنها فارغة من أي عمل ليست مسخرة لحرث الأرض ، ولا لسقاية الزرع ، ولا لغيرهما . قال الإمام أبو منصور - رحمه اللّه تعالى - : دلت الآية على أن البقرة كانت ذكرا ؛ لأن إثارة الأرض وسقي الحرث من عمل الثيران ، وأما الضمائر الراجعة إليها على التأنيث فللفظها ، كما في قوله :
وَقالَتْ طائِفَةٌ
فالتاء للتوحيد لا للتأنيث خلافا لأبي يوسف ، إلا أن يكون أهل ذلك الزمان يحرثون بالأنثى ، كما يحرث أهل هذا الزمان بالذكر
مُسَلَّمَةٌ
؛ أي : سليمة من جميع العيوب ، سلمها اللّه تعالى منها ، أو معافاة من العمل وآثاره ، سلّمها أهلها منه ، أو مخلصة اللون
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 490 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي