تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
صافيته من سلم له كذا إذا خلص له ، لم يشب صفرتها شيء من الألوان ، ويؤيّد هذا المعنى قوله تعالى :
لا شِيَةَ فِيها
؛ أي : لا خلط في لونها يخالف لون جلدها ، فهي صفراء كلّها حتى قرنها وظلفها . قال مجاهد : لا بياض فيها ولا سواد ، بل هي صافية ، وأصله : وشية ، كالعدة ، والصفة ، والزنة . أصلها : وعد ووصف ووزن ، واشتقاقها من وشى الثوب وهو استعمال ألوان الغزل في نسجه ، وقال بعضهم : الشية بكسر الشين العلامة ، والمراد : لا لمعة فيها من لون آخر سوى الصفرة
قالُوا
؛ أي : قال قوم موسى لموسى عندما سمعوا هذا النعوت
الْآنَ
؛ أي : في هذا الوقت الحاضر الذي أجبت فيه الجواب الأخير
جِئْتَ بِالْحَقِّ
؛ أي : بحقيقة وصف البقرة وما بقي إشكال في أمرها . وقرأ الجمهور الأن بإسكان اللام والهمزة بعده . وقرأ ورش عن نافع بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وهي في المتواتر وعن نافع - في الشاذ - روايتان : إحداهما : حذف واو قالوا إذ لم يعتدّ بنقل الحركة ، إذ هو نقل عارض ، والرواية الأخرى إثبات الواو اعتدادا بالنقل ، واعتبارا لعارض التحريك ؛ لأنّ الواو لم تحذف إلا لأجل سكون اللام بعدها ، فإذا ذهب موجب الحذف عادت الواو إلى حالها من الثبوت . والمعنى : أي في هذا الوقت الحاضر الذي قلت فيه :
مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها
نطقت بالبيان الشافي ، وأتيت بالوصف التام الذي تتميّز به عن أجناسها ، فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار لأمه ، فاشتروها بملء جلدها ذهبا
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
؛ أي : والحال أنهم ما قاربوا أن يذبحوها ، لأجل غلاء ثمنها ؛ أو لخوف الفضيحة بإظهار اللّه نبيه موسى على القاتل ؛ أي : قاربوا أن يتركوا ذبحها لأجل ذلك ، والجملة حال من ضمير ذبحوا ؛ أي : فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه . والخلاصة : أنهم ذبحوها بعد توقف وبطء . قيل : مضى من أول الأمر إلى الامتثال أربعون سنة ، فعلى العاقل أن يسارع إلى الامتثال ، وترك التفحص عن حقيقة الحال ، فإن قضية التوحيد تستدعي ذلك ، ثم أخبر اللّه سبحانه وتعالى عن سبب أمرهم بذبح البقرة ، وعمّا شاهدوه من آيات اللّه الباهرة ، فقال :
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً
وهذا مؤخر لفظا مقدّم معنى ؛ لأنه أول القصة ؛ لأنّ أصيل