الكلام وتركيبه أن يقال : وإذ قتلتم نفسا ، وأتيتم موسى وسألتموه أن يدعو اللّه تعالى ، فقال موسى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً
وتضربوا القتيل ببعض البقرة فيحيى فيخبر عن قاتله ، وإنما « 1 » أخّره ولم يقدّمه لفظا ؛ لأن الغرض إنما هو ذبح البقرة ؛ للكشف عن القاتل ؛ وليواصل قبائح بني إسرائيل بعضها ببعض ، كما مر .
فهو اعتراض بين المعطوف وهو قول :
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ
والمعطوف عليه وهو
فَذَبَحُوها
كما سيأتي في مبحث الإعراب . وأضيف القتل إلى اليهود المعاصرين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لرضاهم بفعل أولئك الأسلاف ، وخوطبت الجماعة بالقتل مع كون القاتل واحدا ؛ لوجود القتل فيهم . والقتل : نقض البنية الذي بوجوده تنتفي الحياة . واسم القتيل : عاميل بن شراحيل . وقيل : نكّار بن شراحيل ، والمعنى :
واذكروا يا بني إسرائيل ! قصة إذ قتل أسلافكم نفسا محرّمة
فَادَّارَأْتُمْ
؛ أي :
اختلفتم ، وتنازعتم ، وتخاصمتم
فِيها
؛ أي : في شأن قتل تلك النفس وبيان قاتلها ، وأصبح كلّ فريق يدفع أن يكون قاتلها وينسبه إلى غيره من الدرء وهو الدفع ؛ أي : تدافعتم وتخاصمتم في شأنها ، إذ كلّ واحد من الخصماء يدافع الآخر ؛ أي : يدفع الفعل عن نفسه ، ويحيله على غيره .
قال أبو حيان « 2 » : ويحتمل هذا التدارؤ وهو التدافع أن يكون حقيقة ، وهو أن يدفع بعضهم بعضا بالأيدي لشدة الاختصام ، ويحتمل المجاز بأن يكون بعضهم طرح قتله على بعض فدفع المطروح عليه ذلك إلى الطارح ، أو بأن دفع بعضهم بعضا بالتّهمة والبراءة . اه .
وقرأ الجمهور « 3 » :
فَادَّارَأْتُمْ
بالإدغام . أصله : تدارأتم ، فأدغمت التاء في الدال فتعذّر الابتداء بالمدغم الساكن ، فاجتلبوا همزة الوصل ، فصار ادرأتم . وقرأ أبو حيوة ، وأبو السوار الغنويّ فادّرأتم بغير ألف قبل الراء ، وجملة قوله :
وَاللَّهُ
سبحانه وتعالى
مُخْرِجٌ
؛ أي : مظهر لا محالة
ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
ه ،
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) البحر المحيط .
( 3 ) البحر المحيط .