تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
بني إسرائيل ، لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبدا ، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرّك بأمك ، فسار الفتى بها إلى أمه ، فقالت له : إنك فقير لا مال لك ويشقّ عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل ، فانطلق فبع هذه البقرة . قال : بكم أبيعها ؟ قالت : بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي ، وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير ، فانطلق بها إلى السوق ، فبعث اللّه ملكا ليري خلقه قدرته ، وليختبر الفتى كيف برّه بأمه ، وكان اللّه به خبيرا ، فقال له الملك : بكم تبيع هذه البقرة ؟ قال بثلاثة دنانير واشترط عليك رضى والدتي ، فقال الملك : لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك ، فقال الفتى : لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضى أمي ، فردّها إلى أمه وأخبرها بالثمن ، فقالت : ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني ، فانطلق بها إلى السوق فأتى الملك ، فقال : استأمرت أمك ؟ فقال الفتى : إنها أمرتني أن لا انقصها من ستة على أن استأمرها ، فقال الملك إني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها ، فأبى الفتى ورجع إلى أمه وأخبرها بذلك ، فقالت : إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ؛ ليختبرك ، فإذا أتى فقل له : أتأمر أن نبيع هذه البقرة أم لا ؟ ففعل ، فقال له الملك : اذهب إلى أمك وقل لها : أمسكي هذه البقرة ، فإن موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل ، فلا تبيعوها إلا بملء مسكها دنانير ، فأمسكوها ، وقدر اللّه تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها ، فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها مكافأة له على برّه بوالدته ، فضلا منه ورحمة . والوجه في تعيين البقرة دون غيرها من البهائم ؛ أنهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل ، وحبّب إليهم ذلك ، كما قال تعالى :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
ثم تابوا وعادوا إلى طاعة اللّه تعالى وعبادته ، فأراد اللّه تعالى أن يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم ؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة ، وانقلاع ما كان منهم في قلوبهم وقيل : كان أفضل قرابينهم حينئذ البقر ، فأمروا بذبح البقرة ؛ ليجعل اللّه التقرب لهم بما هو أفضل عندهم . وفي هذه القصة « 1 » بيان نوع آخر من مساويهم ، لنعتبر به ونتعظ ، وفيه من
هامش
( 1 ) المراغي .