تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
فتسوّروا الحيطان ودخلوا ، فرأوهم قد صار الشّبّان قردة ، والشيوخ خنازير لها أذناب يتعاوون ، فعرفت القردة أنسابهم من الإنس ، ولم يعرف الإنس أنسابهم من القردة ، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فيقول : ألم ننهكم عن ذلك ، فكانوا يشيرون برءوسهم ؛ أي : نعم والدموع تفيض من أعينهم ، ودلّ ذلك على أنهم لمّا مسخوا بقي فيهم الفهم والعقل ، ثمّ لم يكن ابتداء القردة من هؤلاء ، بل كانت قبلهم قردة ، وهؤلاء حولوا إلى صورتها ؛ لقبحها جزاء على قبح أعمالهم وأفعالهم ، وماتوا بعد ثلاثة أيام ، ولم يتوالدوا ، والقردة التي في الدنيا : هي نسل قردة كانت قبلهم
فَجَعَلْناها
« 1 » ؛ أي : صيّرنا مسخة تلك الأمة وعقوبتها
نَكالًا
؛ أي : عبرة تنكل من اعتبر بها ؛ أي : تمنعه من أن يقدم على مثل صنيعهم
لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها
؛ أي : لما قبلها وما بعدها من الأمم والقرون ؛ لأنّ مسختهم ذكرت في كتب الأولين واعتبروا بها ، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين ، فاستعير ما بين يديها للزمان الماضي ، وما خلفها للمستقبل
وَمَوْعِظَةً
؛ أي : تذكرة
لِلْمُتَّقِينَ
الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم ، أو لكل متّق سمعها ، فاللام للاستغراق العرفيّ على كلا التقديرين ، وخصّ المتقين بالذكر ؛ لأنهم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير . قال اللّه تعالى :
فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
والمعنى :
فَجَعَلْناها
؛ أي « 2 » : جعلنا تلك العقوبة ، والمسخة التي مسخناهم بها
نَكالًا
؛ أي : عقوبة رادعة زاجرة
لِما بَيْنَ يَدَيْها
؛ أي : للأمم التي في زمانها ، التي ترى تلك الفرقة الممسوخة عن الإتيان بمثل فعلهم
وَما خَلْفَها
؛ أي : وزاجرة للأمم التي تأتي بعدها إلى يوم القيامة أن يعملوا بمثل ما عملوا ، فيمسخوا مثل ما مسخوا
وَمَوْعِظَةً
؛ أي : عبرة وتذكرة
لِلْمُتَّقِينَ
المؤمنين من هذه الأمة ؛ لئلّا يفعلوا مثل فعلهم ؛ فإن كلّ من سمع تلك الواقعة يخاف أن ينزل به مثل ما نزل بهم إن فعل مثل فعلهم ، وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة التسوية بين مؤمن اليهود ،
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) العمدة .