تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
والتضييع ، وقال :
وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
وهو المقصود من الكتب الإلهية ؛ لأنّ العمدة العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان ، وترتيلها بالأنغام ، فإنّ ذلك نبذ لها . قال الغزالي : وما مثل ذلك إلا مثل ملك أرسل كتابا إلى أحد أمرائه ، وأمره أن يبني له قصرا في ناحية من مملكته ، فلم يكن حظّ الكتاب منه إلا أن يقرأه كل يوم دون أن يبني القصر ، أفلا يستحق هذا الأمير بعدئذ العقاب من الملك الذي أرسل به إليه ؟ وقوله :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
خطاب لمعاصري النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من اليهود ؛ أي : وباللّه قد عرفتم يا بني إسرائيل !
الَّذِينَ اعْتَدَوْا
؛ أي : تجاوزوا الحد ظلما
مِنْكُمْ
؛ أي : من أسلافكم ، محلّه نصب على أنه حال
فِي
يوم
السَّبْتِ
؛ أي : جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه ، واشتغلوا بالصيد ، وأصل السبت القطع ؛ لأنّ اليهود أمروا بأن يسبتوا فيه ؛ أي : يقطعوا الأعمال ، ويشتغلوا بعبادة اللّه ، ويسمّى النوم سباتا ؛ لأنه يقطع الحركات الاختيارية ، وفيه تحذير وتهديد ؛ فكأنّه يقول : إنكم تعلمون ما أصابهم من العقوبة ، فاحذروا كيلا يصيبكم مثل ما أصابهم
فَقُلْنا لَهُمْ
قهرا
كُونُوا قِرَدَةً
جمع قرد ، كالديكة جمع ديك ، وهذا أمر تحويل وتكوين ، فهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة ؛ لأنهم لم يكن لهم قدرة على التحول من صورة إلى صورة ، وهو إشارة إلى قوله :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
؛ أي : لمّا أردنا ذلك صاروا كما أردنا من غير امتناع ولا لبث
خاسِئِينَ
؛ أي : ذليلين ، هو وقردة خبران لكان ؛ أي : كونوا جامعين بين القرديّة والخسوء ، وهو الصغار والطرد . فإن قلت : كيف أمروا بذلك مع أنه ليس في وسعهم ؟ . قلت : هذا أمر إيجاد لا أمر إيجاب ، كقوله :
كُنْ فَيَكُونُ *
والمعنى ؛ أي « 1 » : وعزتي وجلالي ، لقد عرفتم عقوبة الذين تجاوزوا الحد في الاصطياد باصطيادهم في يوم السبت الذي نهوا عن الاصطياد فيه ، وأمروا بالتفرّغ فيه للعبادة ، فقلنا لهم : كونوا وصيروا بقدرتنا قردة ؛ أي : حيوانا معروفا خاسئين ؛
هامش
( 1 ) العمدة .