للسببية وهو أولى ؛ لأنّ الكلام مسوق لتعداد النعم والامتنان ، وفي السببية دلالة على تعظيمهم ، وهو أيضا من النعم . وقيل : الباء بمعنى اللام كقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ *
؛ أي : لأن اللّه .
الْبَحْرَ
؛ أي : فصلنا بعضه عن بعض لأجل أن يتيسر لكم سلوكه ، وهو « 1 » بحر القلزم ، بحر من بحار فارس ، أو بحر من ورائهم يقال له : إساف ، فجعلنا فيه اثني عشر ملكا ، بعدد أسباط بني إسرائيل . والسبط : ولد الولد . والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب ، وهم أولاد يعقوب ، فخضتم فيها
فَأَنْجَيْناكُمْ
من الغرق بإخراجكم إلى الساحل
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ
يعني : فرعون وقومه للعلم به بدخوله فيهم ، وكونه أولى به منهم . والغرق : الرسوب في الشيء المائع ، ورسب الشيء في الماء رسوبا ؛ أي :
سفل فيه . والإغراق : الإهلاك في الماء
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
؛ أي : الحال أنكم تنظرون ، وتبصرون ، وتشاهدون انفراق البحر حين سلكتم فيه ، وانطباقه على آل فرعون بعد سلامتكم منه ، وتنظرون إليهم أيضا غرقى موتى ، وجثثهم التي رماها البحر إلى الساحل بعد ثلاثة أيام ، وفرعون معهم طافين . وفي ذلك آية باهرة من آيات اللّه سبحانه ، حيث أنجى أولياءه ، وأهلك أعداءه في زمن يسير ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، كما في الصحيحين ، وغيرهما ، فصامه موسى شكرا .
قال القرطبي : أن اللّه تعالى لمّا أنجاهم وأغرق فرعون ، قالوا : يا موسى ! إنّ قلوبنا لا تطمئن أن فرعون قد غرق ، حتى أمر اللّه البحر فلفظه فنظروا إليه .
وروي « 2 » أنه : لما دنا هلاك فرعون ، أمر اللّه سبحانه موسى عليه السلام ، أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا ، فأمرهم أن يخرجوا ، وأن يستعيروا الحلي من القبط ، وأمر أن لا ينادي أحد منهم صاحبه ، وأن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح ، ومن خرج لطخ بابه بكف من دم ؛ ليعلم أنه قد خرج ، فخرجوا ليلا وهم ستمائة ألف وعشرون ألف مقاتل ، لا يعدون فيهم ابن العشرين لصغره ، ولا ابن الستين لكبره ، والقبط لا يعلمون ، ووقع في القبط موت فجعلوا يدفنونهم ، وشغلوا عن
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) روح البيان .