حيث اتخذوا العجل إلها بعد الإنجاء ، ثمّ صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم . فهذه معاملتهم مع ربهم ، وسيرتهم في دينهم ، وسوء أخلاقهم ، ولا تذكرت أواخرهم بتذكيرها وروايتها ، حيث بدلوا التوراة ، وافتروا على اللّه ، وكتبوا بأيديهم ، واشتروا به عرضا ، وكفروا بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، إلى غير ذلك . فيا لها من عصابة ما أعصاها ، وطائفة ما أطغاها .
وفي الآية تهديد للكافرين ، وتنبيه للمؤمنين ليتعظوا ، وينتهوا عن المعاصي في جميع الأوقات ، خصوصا في الزمان الذي أنجى اللّه فيه موسى مع بني إسرائيل من الغرق ، وهو اليوم العاشر من المحرم .
وفي سفر الخروج من التوراة « 1 » : أنهم خرجوا في شهر أبيب بعد أن أقاموا بمصر أربعمائة وثلاثين سنة من عهد يوسف عليه السلام ، ثم اتّبعهم فرعون وجنوده ، فغشيهم من اليمّ ما غشيهم ، وأنجى اللّه بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه ، وقد كان فرق البحر من معجزات موسى عليه السلام ، كمعجزات سائر الأنبياء التي يظهرها اللّه تعالى على أيديهم .
وزعم بعض الناس : أنّ عبور بني إسرائيل البحر ، كان وقت الجزر وفي بحر القلزم - البحر الأحمر - رقارق يتيسّر للإنسان أن يعبر بها البحر إذا كان الجزر شديدا ، وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض ، قد جعلوا الماء الرقارق فرقتين عظيمتين ممتدّين ، كالطود العظيم ، يرشد إلى ذلك قوله تعالى :
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ
ولم يقل فرقنا لكم وقوله :
فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
تشبيه معروف معهود مثله في مقام المبالغة ، كقوله :
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ
وقوله :
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
( 32 ) ألا ترى أنّ الأمواج والسفن الجواري لا تكون كشواهق الجبال ، لكنه يراد بمثل هذا التعبير زيادة البيان ، وإرادة التأثير في نفس السامع « 2 » ، ولما اتبعهم فرعون وجنوده ، ورآهم قد عبروا البحر ، مشى إثرهم ، وكان المدّ قد بدأ ، ولم يتم خروج بني
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) المراغي .