وقال كل سبط : قد قتل إخواننا . قال : سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم . قالوا :
لا نرضى حتى نراهم ، فقال موسى : اللهم ! أعني على أخلاقهم السيئة ، فأوحى اللّه إليه ، أن قل بعصاك هكذا وهكذا يمنة ويسرة ، فصار فيها كوى ينظر بعضهم بعضا ، ويسمع بعضهم كلام بعض ، فساروا حتى خرجوا من البحر ، فلما جاز أخر قوم موسى ، هجم فرعون على البحر فرآه منفلقا . قال لقومه : انظروا إلى البحر ، انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا ، فهاب قومه أن يدخلوه ، وقيل له : إن كنت ربّا فادخل البحر ، كما دخل موسى ، وكان فرعون على حصان أدهم ؛ أي : ذكر أسود من الخيل ، ولم يكن في قوم فرعون فرس أنثى ، فجاء جبريل على أنثى وديق ، وهي التي تشتهي الفحل ، وتقدمه إلى البحر ، فشمّ أدهم فرعون ريحها ، فاقتحم خلفها البحر ؛ أي : هجم على البحر بالدخول وهم لا يرونه ، ولم يملك فرعون من أمره شيئا ، وهو لا يرى فرس جبريل ، وتبعته الخيول ، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يعجّلهم ، ويسوقهم حتى لا يشذّ رجل منهم ، حتى خاضوا كلّهم البحر ، ودخل آخر قوم فرعون ، وجاز آخر قوم موسى ، وهمّ أولهم بالخروج ، فأمر اللّه البحر أن يأخذهم ، فانطبق على فرعون وقومه ، فأغرقوا ، فنادى فرعون : لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين القصة ، وقالت بنوا إسرائيل : الآن يدركنا فيقتلنا ، فلفظ البحر ستمائة وعشرين ألفا عليهم الحديد ، فذلك قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
، فلفظ فرعون وهو كأنه ثور أحمر ، فلم يقبل البحر بعد ذلك غريقا إلا لفظه على وجه الماء .
واعلم « 1 » أنّ هذه الواقعة ، كما أنها لموسى عليه السلام ، معجزة عظيمة لأوائل بني إسرائيل ، موجبة عليهم شكرها ، كذلك اقتصاصها على ما هي عليه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، معجزة جليلة تطمئن بها القلوب الأبية ، وتنقاد لها النفوس الغيبة ، موجبة لأعقابهم أن يتلقوها بالأذهان ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أخبرهم بذلك مع أنه كان أميّا لم يقرأ كتابا ، وهذا غيب لم يكن له علم عند العرب ، فإخباره به دلّ على أنه أوحى إليه ذلك ، وذلك علامة لنبوته ، فما تأثرت أوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها ،
هامش
( 1 ) روح البيان .