تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
غيركم ، بإرسال الرسل منكم ، وإنزال الكتب عليكم ؛ أي : على غيركم من الشعوب والأمم ، حتى الأمم ذات الحضارة والمدنية ، كالمصريين ، وسكان الأراضي المقدّسة . وقد ناداهم باسم أبيهم ؛ لأنه منشأ فخارهم ، وأصل عزهم . وأسند النعمة والفضل إليهم جميعا ؛ لشمولهما إياهم ، والتفضيل إنما أتاهم ؛ لتمسكهم بالفضائل ، وتركهم للرذائل ، إذ من يرى نفسه مفضلا شريفا يترفع عن الدنيا ، وذكّرهم بهذا الفضل ؛ لينبّههم إلى أن الذي فضّلهم على غيرهم ، له أن يفضل عليهم غيرهم ، كمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمته ، وإلى أنهم أجدر من جميع الشعوب ، بالتأمل فيما أوتيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الآيات ، فإنّ المفضّل أولى بالسبق إلى الفضائل ممن فضل عليه ، وهذا الفضل إن كان بكثرة الأنبياء ، فلا مزاحم له فيه ، ولا تقتضي هذه الفضيلة أن يكون كلّ فرد منهم ، أفضل من كل فرد من غيرهم ، ولا تمنع أن يفضلهم أخسّ الشعوب إذا انحرفوا عن جادّة الطريق ، وتركوا سنة أنبيائهم واهتدى بهديها غيرهم ، وإن كان بالقرب من اللّه باتباع شرائعه ، فذلك إنما يتحقّق في أولئك الأنبياء والمهتدي من أهل زمانهم ، ومن تبعهم بإحسان ما داموا على الاستقامة ، وسلكوا الطريق الذي استحقوا به التفضيل . قال القشيري « 1 » : أشهد اللّه سبحانه بني إسرائيل فضل أنفسهم ، فقال :
فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
وأشهد محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فضل ربه ، فقال :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
وشتان بين من مشهوده فضل نفسه ، وبين من مشهوده فضل ربه ، وشهوده فضل نفسه ، قد يورث الإعجاب ، وشهوده فضل ربه ، يورث الإيجاب . ثم إن اليهود كانوا يقولون : نحن من أولاد إبراهيم خليل الرحمن ، ومن أولاد إسحاق ذبيح اللّه ، واللّه تعالى يقبل شفاعتهما ، فرد اللّه عليهم ، فأنزل هذه الآية وقال :
وَاتَّقُوا
؛ أي : وأخشوا يا بني إسرائيل ! وخافوا
يَوْماً
؛ أي : حساب يوم ، أو عذاب يوم ، وهو من إطلاق المحل وإرادة الحال ، وهو يوم القيامة
لا تَجْزِي
فيه ؛ أي : لا تغني ولا تدفع فيه ، أو لا تقضي ولا تؤدّي فيه ، والجملة صفة يوم ، والرابط فيه محذوف ، كما قدّرنا
نَفْسٌ
مؤمنة
عَنْ نَفْسٍ
كافرة
شَيْئاً
من
هامش
( 1 ) روح البيان .