تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
؛ أي : تسرون من قولكم ، لن يخلق اللّه خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا ، وهو استحضار لقوله تعالى :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
وروى الشعبي ، عن ابن عباس ، وابن مسعود : أن المراد بقوله تعالى :
ما تُبْدُونَ
قولهم :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
وبقوله :
وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
ما أسر إبليس في نفسه من الكبر ، ومن أن لا يسجد ، وفيه تعريض « 1 » بمعاتبتهم على ترك الأولى من السؤال ، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبيّن لهم ، وفي هذه الآيات دلالة على شرف الإنسان على غيره من المخلوقات ، وعلى فضل العلم على العبادة ، فإن الملائكة أكثر عبادة من آدم ، ومع ذلك لم يكونوا أهلا لاستحقاق الخلافة ، وعلى أن شرط الخلافة العلم ، بل هو العمدة فيها ، وعلى أنّ آدم أفضل من هؤلاء الملائكة ، لأنه أعلم منهم ، والأعلم هو الأفضل من غيره لقوله تعالى :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
فالعلم أشرف جوهرا ، ولكن لا بدّ للعبادة مع العلم ، فإن العلم بمنزلة الشجرة ، والعبادة بمنزلة الثمرة ، فالشرف للشجرة وهو الأصل ، لكن الانتفاع بثمرتها . وفي استخلاف « 2 » آدم في الأرض ، معنى سام من الحكمة الإلهية ، خفي على الملائكة ، فإنه لو استخلفهم فيها لما عرفوا أسرار هذا الكون ، وما أودع فيه من الخواص ، فإنهم ليسوا بحاجة إلى شيء مما في الأرض ، إذ هم على حال يخالف حال الإنسان ، فما كانت الأرض لتزرع بمختلف الزروع ، ولا تستخرج المعادن من باطنها ، ولا تعرف خواصّها الكيمائية والطبيعية ، ولا تعرف الأجرام الفلكية ، ولا المستحدثات الطبية ، ولا شيء من العلوم التي تفنى السنون ، ولا يدرك الإنسان لها غاية . وقوله :
إِنِّي أَعْلَمُ
« 3 » ياء المتكلم المتحرك ما قبلها ، إذا لقيت همزة القطع المفتوحة جاز فيها وجهان : التحريك والإسكان ، وقرئ بالوجهين في السبعة
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) المراغي . ( 3 ) البحر المحيط .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 306 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي