تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
لمبتدعاته ، الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة . وناسب « 1 » تقديم الوصف بالعلم على تقديم الوصف بالحكمة ؛ لأنه المتصل به في قوله :
وَعَلَّمَ
أَنْبِئُونِي
لا عِلْمَ لَنا
فالذي ظهرت به المزية لآدم والفضيلة ، هو العلم ، فناسب ذكره متصلا به ؛ ولأنّ الحكمة إنما هي آثار العلم ، وناشئة عنه ، ولذلك أكثر ما جاء في القرآن تقديم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة ؛ وليكون آخر مقالهم مخالفا لأوله ، حتى يتبين رجوعهم عن قولهم :
أَ تَجْعَلُ فِيها
وفي هذا الجواب « 2 » منهم ، إيذان بأنهم رجعوا إلى ما كان يجب عليهم أن لا يغفلوا عن مثله ، من التفويض إلى واسع علم اللّه وعظيم حكمته ، بعد أن تبيّن لهم ما تبيّن ، وإيماء إلى أنّ الإنسان ينبغي له أن لا يغفل عن نقصانه ، وعن فضل اللّه عليه وإحسانه ، ولا يأنف أن يقول لا أعلم إذا لم يكن يعلم ، ولا يكتم الشيء الذي يعلم . وقال العلماء : قول الشخص لا أدري نصف العلم ، وسئل « 3 » أبو يوسف القاضي عن مسألة ؟ فقال : لا أدري ، فقالوا له : ترتزق من بيت المال كلّ يوم كذا وكذا ، ثم تقول لا أدري ، قال : إنما أرتزق بقدر علمي ، ولو أعطيت بقدر جهلي لم يسعني مال الدنيا ، وحكي : أن عالما سئل عن مسألة وهو فوق المنبر ؟ فقال : لا أدري ، فقيل له : ليس المنبر موضع الجهّال ، فقال : إنما علوت بقدر علمي ولو علوت بقدر جهلي لبلغت السماء . وقوله :
قالَ
اللّه سبحانه وتعالى لآدم كلام مستأنف أيضا
يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ
؛ أي : أخبر الملائكة وأعلمهم
بِأَسْمائِهِمْ
التي عجزوا عن علمها ، واعترفوا بالقصور عن بلوغ مرتبتها ؛ أي : أخبرهم بأسماء هؤلاء المسمّيات ، فسمّى لهم كل شيء باسمه حتى القصعة والقصيعة ، وبين لهم أحوال كل من المسميات ، وخواصّه ، وأحكامه المتعلقة بالمعاش ، والمعاد .
هامش
( 1 ) البحر المحيط . ( 2 ) المراغي . ( 3 ) روح البيان .