تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
الحق والخير إلى الملائكة ، كما يستفاد من خطابهم لمريم عليها السلام ، وإسناد الوسوسة إلى الشياطين ، وهو مشهور في الكتاب والسنة . فقد روى الترمذي : إن للشيطان لمّة بابن آدم ، وللملك لمّة ؛ فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر ، وتكذيب بالحق ؛ وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير ، وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه ، فليحمد اللّه على ذلك ، ومن وجد الآخر فليتعوذ باللّه من الشيطان ، ثم قرأ
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ
واللمّة الإلمام والإصابة ، فالملائكة والشياطين أرواح لها اتصال بأرواح الناس لا نعرف حقيقته ، بل نؤمن بما ورد فيه ولا نزيد عليه شيئا آخر .
فَسَجَدُوا
؛ أي : سجدت الملائكة كلهم أجمعون ؛ أي : لآدم ، دل عليه قوله :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
؛ لأنهم خلقوا من نور ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « خلقت الملائكة من نور » والنور من شأنه الانقياد والطاعة ، وكان هذا السجود قبل دخول آدم الجنة ؛ لأن الظاهر من السياق وقوع التعليم لآدم ، فإنباؤه للملائكة ، فأمر الملائكة بالسجود له ، فإسكانه الجنة ، ثم إخراجه منها وإسكانه الأرض . وأول من سجد منهم « 1 » : جبريل ، فأكرم بإنزال الوحي على النبيين ، وخصوصا على سيد المرسلين ، ثم ميكائيل ، ثم إسرافيل ، ثم عزرائيل ، ثم سائر الملائكة ، وقيل : أول من سجد : إسرافيل ، فرفع رأسه ، وقد ظهر كل القرآن مكتوبا على جبهته كرامة له على سبقه إلى الائتمار . والفاء في قوله :
فَسَجَدُوا
للتعقيب ؛ لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال ، وعدم تلعثمهم في ذلك ، وهذه القصة ذكرت في القرآن في سبع سور ، في هذه السورة ، والأعراف والحجر ، والإسراء ، والكهف ، وطه ، وص . والحكمة « 2 » في تكريرها ؛ تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه كان في محنة عظيمة في قومه وأهل زمانه ، فكأنه تعالى يقول لنبيه : ألا ترى أن أول الأنبياء وهو آدم عليه السلام ، كان في محنة عظيمة في مبدأ خلقه ، فاصبر كما صبر .
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) العمدة .