تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
ويفعل بهم ذلك مرة بعد مرّة . قال ابن كثير : وهذا إخبار من اللّه تعالى أنّه مجازيهم جزاء الاستهزاء ، ومعاقبهم عقوبة الخداع ، فأخرج الخبر عن الجزاء ، مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقّوا العقاب عليه . فاللفظ متفق والمعنى مختلف ، كقوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
؛ لأنّ الأول ظلم والثاني عدل .
وَيَمُدُّهُمْ
؛ أي : يزيدهم ، ويقويهم من مدّ الجيش وأمده ؛ إذا زاده وقوّاه ، لا من المدّ في العمر ، فإنّه يعدى باللام كأملي لهم . ويدلّ عليه قراءة ابن كثير
وَيَمُدُّهُمْ
.
فِي طُغْيانِهِمْ
متعلّق بيمدّهم . والطغيان : مجاوزة الحد في كلّ أمر ، والمراد هنا : إفراطهم في العتوّ ، وغلّوهم في الكفر . وفي إضافته إليهم إيذان باختصاصه بهم ، وتأييد لما أشير إليه من ترتب المدّ على سوء اختيارهم . والمشهور فتح الياء من
يَمُدُّهُمْ
. وقرئ شاذا بضمّها ، فقيل : الثلاثي والرباعي بمعنى واحد ، ونسبت هذه القراءة إلى ابن محيص ، وشبل ، وابن كثير ، كما مرّ . حالة كونهم
يَعْمَهُونَ
فيه ؛ أي : يتردّدون في الضلالة ، متحيّرين عقوبة لهم في الدنيا لاستهزائهم . وهو حال من الضمير المنصوب ، أو المجرور ، لكون المضاف مصدرا ، وهو مرفوع حكما . والعمة في البصيرة ، كالعمى في البصر ، وهو التحيّر والتردّد بحيث لا يدري أين يتوجّه . والمعنى : أي يزيدهم بطريق الإمهال والترك في طغيانهم ، وضلالتهم ، وكفرهم حالة كونهم يعمهون ؛ أي : يتردّدون ويتحيّرون في طغيانهم ، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا ، لأنّ اللّه طبع قلوبهم ، وأعمى أبصارهم ، فلا يبصرون رشدا ، ولا يهتدون سبيلا ، أو المعنى : يتردّدون في البقاء على الكفر وتركه ، والدخول في الإيمان . والمراد بالعمه : عدم معرفة الحقّ من الباطل ، فمنهم : من يظهر له وجه الحقّ ، ويكفر عنادا ومنهم : من يشكّ في الحقّ ويقال له : عمي أيضا . فبين العمة والعمى عموم وخصوص مطلق ، يجتمعان في طمس القلب ، وينفرد العمى بفقد البصر .