تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
ما ربحوا في تجارتهم ومعاوضتهم ، وهذا ترشيح للمجاز ؛ أي : ما ربحوا فيها ، فإنّ الربح مسند إلى أرباب التجارة في الحقيقة ، فإسناده إلى التجارة نفسها على الاتساع ؛ لتلبّسها بالفاعل ؛ أو لمشابهتها إياه من حيث إنها سبب الربح والخسران ، ودخلت الفاء ؛ لتضمّن الكلام معنى الشرط ، تقديره : وإذا اشتروا فما ربحوا ، كما في « الكواشي » . والتجارة : صناعة التجار ، وهو التصدّي بالبيع والشراء لتحصيل الربح ، والربح : هو الفضل على رأس المال .
وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
إلى طريق التجارة ، فإنّ المقصد منها سلامة رأس المال مع حصول الربح ، ولئن فات الربح في صفقة ، فربّما يتدارك في صفقة أخرى ؛ لبقاء الأصل ، وأمّا اتلاف الكلّ بالمرة ، فليس من باب التجارة قطعا ، وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين ؛ لأنّ رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل الصرف ، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم ، واختلّ عقلهم ، ولم يبق لهم رأس مال يتوسّلون به إلى درك الحق ، ونيل الكمال ، فبقوا خاسرين آيسين من الربح ، فاقدين الأصل نائين عن طريق التجارة بألف منزل . واعلم : أنّ المهتدي : هو الذي ترك الدنيا والعادة ، ثمّ اشتغل بوظائف الطاعة والعبادة ، لا من اتبع كلّ ما يهواه ، وخلّط هواه بهداه . فإن قلت « 1 » : مقتضى هذه الآية : أنّ الهدى كان موجودا ثمّ دفعوه ، وأخذوا الضلالة . قلت : الأمر كذلك ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلّ مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه » الحديث ؛ ولأنّهم في العهد يوم ألست بربكم أجابوا بالإيمان جميعا ؛ أو لأنّهم لمّا تمكنوا من الإيمان جعلوا كأنّ الهدى بأيديهم ، فتركوه ، وأخذوا الضلالة . فمثلهم ، كمثل من عنده كنز عظيم ينفع في الدنيا والآخرة ، فاستبدله بالنار ؛ لأنّ الضلالة سبب النار . وحاصل معنى الآيات : أي « 2 » وإذا رأى المنافقون المؤمنين ، واجتمعوا بهم
هامش
( 1 ) الصاوي . ( 2 ) المراغي .