أُولئِكَ
المنافقون المتصفون بما ذكر من الصفات الشنيعة ، المميّزة لهم عمن عداهم أكمل تميز ، بحيث صاروا كأنّهم حضار مشاهدون على ما هم عليه من قوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ
إلى هنا . والإشارة إليهم باسم إشارة البعيد ؛ للإيذان ببعد منزلتهم في الشرّ ، وسوء الحال . ومحلّه الرفع على الابتداء ، وخبره قوله :
الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
وأصل الاشتراء : بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأشياء ، ثمّ استعير للإعراض عمّا في يده محصّلا به غيره ، ثمّ اتسع فيه ، فاستعمل في الرغبة عن الشيء طمعا في غيره ، وهو هاهنا عبارة عن معاملتهم السابقة المحكيّة .
وقرأ يحيى بن يعمر اشتروا الضلالة بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين . وقرأ أبو السماك قعنب العدوي بفتحها ؛ لخفة الفتحة ، وأجاز الكسائي همز الواو . وقرأ الجمهور بضمّ الواو ، وأمال حمزة والكسائي وخلف العاشر ( الهدى ) ، وهي لغة تميم ، وقلله ورش والباقون بالفتح ، وهي لغة قريش .
أي : أولئك المنافقون هم الذين اشتروا الضلالة ، وأخذوها ، واختاروها ، وهي الكفر والعدول عن الحقّ ، والصواب بدل الهدى ، وهو الإيمان والسلوك في الطريق المستقيم ، والاستقامة عليه أخذا متّصفا بالرغبة فيها والإعراض عنه ؛ أي :
اختاروها عليه ، واستبدلوها به ، وأخذوها مكانه ، وجعل الهدى كأنّه في أيديهم لتمكنهم منه ، وهو الاستعداد به ، فبميلهم إلى الضلالة عطلوه ، وتركوه . والباء تدخل على المتروك في باب المعاوضة . وهذا دليل : على أنّ الحكم في البيع ونحوه ، يثبت بالتعاطي من غير تكلم بالإيجاب والقبول على ما ذهب إليه الأحناف ، فإنّ هؤلاء سمّوا مشترين ، بترك الهدى وأخذ الضلال من غير تكلّم بصيغة المبادلة ، كما في « التيسير » . فيكون دليلا لهم على أنّ من أخذ شيئا من غيره ، وترك عليه عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلم .
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
أي : « 1 » ما ربحت صفقتهم في هذه المعاوضة ؛ أي :
هامش
( 1 ) روح البيان .