قال الشيخ زين الدين الحافيّ - رحمه اللّه تعالى - : والعجب ممن دخل في هذه الطريقة المحمدية ، وأراد أن يصل إلى الحقيقة اليقينية ، وقد حصّل من الاصطلاحات ما يستخرج بها المعاني من كتاب اللّه ، وأحاديث رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثمّ لا يشتغل بذكر اللّه وبمراقبته ، والإعراض عما سواه ، لتنصبّ إلى قلبه العلوم اللدنية التي لو عاش ألف سنة في تدريس الاصطلاحات وتصنيفها ، لا يشمّ منها رائحة ، ولا يشاهد من آثارها وأنوارها لمعة . فالعلم بلا عمل عقيم ، والعمل بلا علم سقيم ، والعمل بالعلم صراط مستقيم . انتهى .
وعبارة المراغي هنا : « 1 »
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ
الذين اتبعوا قضيّة العقل ، وسلكوا سبيل الرشاد ، وكان للإيمان سلطان على نفوسهم ، وعليه بنوا تصاريف أعمالهم ، كعبد اللّه بن سلام وأشباهه من أحبارهم .
قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ
أرادوا بالسفهاء : أتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . أمّا المهاجرون منهم : فلأنّهم عادوا قومهم وأقاربهم ، وهجروا أوطانهم ، وتركوا ديارهم ؛ ليتبعوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويسيروا على هديه . وأمّا الأنصار : فلأنّهم شاركوا المهاجرين في ديارهم وأموالهم ، ولا يستبعد ممن انهمك في السفاهة ، وتمادى في الغواية ، ومن زيّن له سوء عمله ، فرآه حسنا ، وظنّ الضلال هدى أن يسمّي الهدى سفها وضلالا ، كما مرّ .
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ
وحدهم دون من عرّضوا بهم ، ونسبوهم إلى السفه ، إذ هم لهم سلف صالح تركوا الاقتداء بهم ، واكتفوا بانتظار شفاعتهم ، ولم يجروا على هديهم وسنتهم ، بخلاف أولئك المؤمنين الذين لا سلف لهم إلّا عابدي أصنام ، وقد هداهم اللّه تعالى ، وصارت قلوبهم مطمئنة بالإيمان .
وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
ما الإيمان وما حقيقته ؟ حتى يعلموا أنّ المؤمنين سفهاء .
وقد ختمت هذه الآية ب
لا يَعْلَمُونَ
، وسابقتها ب
لا يَشْعُرُونَ
؛ لأنّ الإيمان لا يتمّ إلّا بالعلم اليقينيّ ، والفائدة المرجوة منه ، وهي السعادة في المعاش والمعاد ، لا يدركها إلّا من يعلم حقيقته ويدرك كنهه ، فهم قد أخطئوا في
هامش
( 1 ) المراغي .