قالوا كذبا وبهتانا : آمنا كإيمانكم ، وصدّقنا كتصديقكم ، وإذا انفردوا بأمثالهم من دعاة الفتنة والإفساد قالوا لهم : إنّا على عقيدتكم ، وموافقوكم على دينكم ، وإنما نظهر لهم الإيمان استهزاء بهم ؛ لنشاركهم في الغنائم ، ونحفظ أموالنا ، وأولادنا ، ونساءنا من أيديهم ، ونطّلع على أسرارهم
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
؛ أي : اللّه يجازيهم بالعقاب على استهزائهم ، وسمّي هذا الجزاء استهزاء ؛ للمشاكلة في اللفظ ، كما سمّي جزاء السيئة سيئة ، ويزيدهم في عتوهم وكفرهم ، ويجعلهم حائرين متردّدين في الضلال ؛ عقوبة لهم .
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا
؛ أي : هؤلاء هم الذين رغبوا عن الهدى وسلوك الطريق المستقيم ، ومالوا إلى الضلال ، واشتروه ، ولكن لم تكن تجارتهم رابحة إذ أضاعوا رأس المال ، وهو ما كان لهم من الفطرة السليمة ، والاستعداد لإدراك الحقائق ونيل الكمال ، فأصبحوا خاسرين آيسين من الربح ، وإنّ من كانت هذه حالتهم فلا علم لهم بطرق التجارة ، فإنّ التاجر إن فاته الربح في صفقة ، فربّما تداركه في أخرى ما دام رأس المال موجودا ، أما وقد فقد رأس المال فلا سبيل إلى الربح بحال .
ولمّا بيّن اللّه سبحانه وتعالى قبائحهم وعاقبة أمرهم ، شرع يضرب أمثالهم ، ويبيّن فيها وصفهم وما هم عليه ، فقال :
مَثَلُهُمْ . . .
إلخ ، والمثل في الأصل :
بمعنى النظير ، ثمّ قيل : للقول السائر الممثل بمورده ، كما ورد من غير تغيير ، ولا يضرب إلّا بما فيه غرابة ، ولذلك حوفظ عليه من التغيير ، ثمّ استعير لكل حال ، أو قصة ، أو صفة لها شأن عجيب ، وفيها غرابة ، كقوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ *
، وقوله أيضا :
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
؛ أي : الوصف الذي له شأن من العظمة والجلال .
وعبارة « الروح » : ولمّا جاء اللّه بحقيقة حال المنافقين ، عقّبها بضرب المثل ؛ زيادة في التوضيح والتقرير ، فإنّ التمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل ، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي ، وقمع ثورة الجامح الأبيّ ، كيف لا يلطف وهو إبداء للمنكر في صورة المعروف ، وإظهار للوحشي في هيئة المألوف ، وإراءة للمخيّل محقّقا ، وللمعقول محسوسا ، وتصوير للمعاني بصورة الأشخاص ، ومن