تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري قال : « خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم ، قلنا : من هم يا رسول اللّه ؟ أقريش ؟ قال : لا ، ولكنهم أهل اليمن ، هم أرق أفئدة وألين قلوبا ، فقلنا : أهم خير منا يا رسول اللّه ؟ قال : لو كان لأحدهم جبل من ذهب ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه ، ألا أن هذا فصل ما بيننا وبين الناس ،
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ
الآية » وهذا الحديث قال ابن كثير : غريب بهذا الإسناد ، وقد رواه ابن جرير ولم يذكر فيه الحديبية . وأخرج أحمد عن أنس قال : « كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام ، فقال خالد لعبد الرحمن : تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فبلغ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال : دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم » والذي في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلفظ : « لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفس محمد بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك ما أحدهم ولا نصيفه » « 1 » وفي لفظ ما بلغ حد أحدهم ولا نصيفه ، أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري . وعن ابن عمر قال : « لا تسبوا أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره » ، أخرجه ابن أبي شيبة .
وَكُلًّا
أي كل واحد من الفريقين
وَعَدَ اللَّهُ
المثوبة
الْحُسْنى
وهي الجنة ، مع تفاوت درجاتهم فيها ، قرأ الجمهور كلّا على أنه مفعول مقدم وقرىء بالرفع على الابتداء أو على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ومثل هذا قول الشاعر :
قد أصبحت أم الخيار تدعي * علي ذنبا كله لم أصنعه
قيل : نزلت في أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ، لأنه أول من أسلم ، وأول من أنفق في سبيل اللّه وفيه دليل على فضله وتقدمه
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
لا يخفى عليه من ذلك شيء ثم رغب سبحانه في الصدقة فقال :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ
أي ينفق ماله في سبيل اللّه فإنه كمن يقرضه والعرب تقول لكل من فعل فعلا حسنا قد أقرض ، من استفهامية مرفوعة المحل بالابتداء وذا خبرة ، والموصول صفة له ، أو بدل منه ، ويصح أن يكون من ذا مبتدأ ، والموصل خبره ، وهذا منه تعالى في غاية اللطف بنا والإحسان إلينا ، حيث أعطانا الأموال من
هامش
( 1 ) راجع الحاشية ، السابقة .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 556 | صديق الحسيني القنوجي البخاري